موقف هل من معتبر
إلهام السيابي
((أبي لن يدخل الجنة))!!؟!!
تفاجأنا بصراخ هنادي، وهي تجلس في زاوية الصالة، وتكرر جملتها؛ أحيانًا كأنها تستفسر، وأحيانًا كأنها واثقة أو مترددة من مصير والدها. احتضنتها دلال برفق، فهي تعلم أن فاجعة الموت تكاد تفقد العقول، وتذهل النفوس، وتثير المواجع، وتقطع الأنفاس من كثرة البكاء، وتتألم الروح لفقد كل عزيز وغالٍ، ولا يستطيع أحد أن ينسى من رحل بعد أن تمتع بأجمل اللحظات والمناسبات مع أهله وأحبابه. أجل، لا تبقى إلا الذكريات وألم الفراق.
ارتمت هنادي في حضن أمها ترتجف وهي تصرخ، بينما النساء يستغفرن ويكبرن الله. كانت تسمع أصواتهن وهن يحوقلن ويكثرن من قول: ((إنا لله وإنا إليه راجعون))، اصبري، اصبري.
ماذا تقول لهم؟ وكيف لها أن تشرح خوفها على والدها؟ ارتفعت أصوات النساء يؤمّنّ على دعاء المحاضِرة وهي تقول: ((اللهم اجعله من أهل اليمين))، وتعالى صراخ هنادي: كيف؟؟
أخذت دلال هنادي إلى غرفة مجاورة؛ فدلال ليست جارة فقط، بل في مقام خالتها. كانت تجهش بالبكاء، فسألتها:
هل تعترضين على حكم الله وأمره؟
قالت: لا والله، حاشاي من فعل ذلك.
قالت: فما خطبك يا بنية؟
تمسكت بها بخوف وهي تقول: يا خالة… وترددت، ثم قالت: يا خالة، أبي مات على معصية… مات وهو شارب خمر، كيف له أن يدخل الجنة؟
أحست دلال برجفة تسري في جسدها من تلك الكلمات، وساد الصمت في الغرفة إلا من بكاء هنادي. لكن دلال استرجعت، وقالت لها برقة:
لا تخافي يا ابنتي، فرحمة الله واسعة. نحن لا ندخل الجنة بأعمالنا، وإنما برحمة الله، فلعل له عملًا يقربه إلى الله، ونحن لا نعلم ما في النفوس.
ثم سألتها:
هل كان بارًا بأمه؟
قالت: إي والله، لم يكن ينام إلا بعد تغطيتها والاطمئنان عليها.
ابتسمت لها وقالت: هل رأيتِ؟ علينا ألا نطلق العنان لأفكارنا، وأن نكثر الدعاء له ليتقبله الله بأي عمل؛ فلعل بينه وبين ربه خبيئة لا نعلمها.
فاطمأنت هنادي، وقالت: لنا في الله ظن لا يخيب.
قالت دلال: علينا بالسعي بالدعاء والصدقات، فهو بحاجة إليها. هيا بنا نجلس مع النساء ونؤمّن، لعل الله يسمع منا ويتقبل دعاءنا.
هدأت نفس هنادي وابتسمت، وهي تكرر: لنا في الله ظن لا يخيب.
بقيت دلال ترتجف كلما تذكرت كلمات هنادي، وكانت تتساءل: كيف للإنسان أن يعصي الله الذي أنعم عليه بالتكوين والتجسيد، وكرّمه بالخلافة في الأرض، وفتح له أبواب السعي لنيل رضاه؟ ما أعجب الإنسان! يسخر الله له من يدعو له بعد موته، وهو الذي عصاه طول حياته.
