مقالات صحفية

صورٌ من مجلدات مُعلّم .. في ملاذ الذكريات وحنايا الوفاء لأهل العطاء

 حسين بن علي الدروشي

بينما ييمم الكثيرون وجوههم شطر هواياتهم المحببة مع بزوغ فجر كل إجازة، فمنهم من يشدّ الرحال ترحالاً وسفراً نحو آفاق جديدة، ومنهم من يغوص في بحور الكتب قراءة وتفكراً والتماساً للحكمة، ومنهم من يخوض غمار المغامرات في طيات الطبيعة، أجدني مسوقاً، بحنين جارف لا يقاوم وشوق يئز بين الضلوع، إلى ركن خاص جداً في عالمي المنعزل. أجدني أهرع إلى دولاب كبير يرسو كالسفينة العتيقة في زاوية الغرفة، أو أنتقل بشغف إلى حافظات إلكترونية تضم مئات المجلدات، وتحوي في طياتها آلاف الصور القديمة.

إنها ليست مجرد صور جامدة حبستها العدسات، بل هي شذرات غالية من عمر مضى، وقطوف دانية من ذكريات عذبة قضيناها مع العائلة، والإخوة، والأخوات، والأصدقاء، وزملاء المهنة المقدسة.. مهنة التعليم التي صاغت أرواحنا قبل عقولنا.
في أحد تلك المجلدات المتخمة بالوجد، استوقفتني صور التقطت يوم الاثنين الموافق 19 أبريل 2004م ، في ذلك اليوم البهي، تشرفت مدرستنا، مدرسة سلطان بن مرشد، بزيارة كريمة واستثنائية من الأستاذ علي بن حميد بن سيف الجهوري، الذي كان يشغل حينها منصب مدير عام المديرية العامة للتعليم بمحافظة جنوب الشرقية (وحالياً الدكتور علي بن حميد بن سيف الجهوري، مستشار معالي وزيرة التعليم لشؤون المديريات التعليمية بالمحافظات).

تجسد تلك الصور لحظة مهيبة وعفوية في آن؛ لحظة استقبال مدير المدرسة، الأخ الزميل الراحل الأستاذ خلفان بن سالم بن خميس العلوي — طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه — للمدير العام في مكتب إدارة المدرسة. أتذكر تماماً تلك اللحظة التي دخلت فيها على مدير المدرسة والمدير العام، وقد ارتسمت على وجهيهما ملامح الاحترام المتبادل الأصيل، والجدية الممزوجة بروح العطاء والنبل العماني الخالص.

التقطتُ حينها بكاميرتي بعض الصور التي يظهر فيها الأستاذ خلفان بن سالم العلوي وهو يستعرض بعناية فائقة بعض المجلدات والسجلات المدرسية مع ضيفه الكريم. وفي تلك الأثناء، كان الضوء الطبيعي يتدفق بنعومة وسخاء من النافذة، ليكشف عن تواضع مكتب مدير المدرسة ، ذلك المكتب البسيط، بطاولته الخشبية وسجلاته الورقية، كان شاهداً حياً على لقاء قادة تربويين حقيقيين نذروا حياتهم وسخروا طاقاتهم لخدمة الأجيال، حيث تجول المدير العام بعدها في أروقة المدرسة وفصولها للاطلاع على سير العمل فيها، والتواصل المباشر مع الهيئة التدريسية، وتلمس احتياجات المدرسة عن قرب بكثير من الأبوة والمسؤولية.

في ذلك الوقت الحافل بالنشاط، كنت أشغل منصب معلم أول لمادة الرياضيات بالمدرسة، والمسؤول القائم على النقل الإعلامي وتوثيق مسيرتها. لكن الذاكرة، بطبيعتها المتمردة على الأطر الزمنية، لم تقف عند حدود الدوام الرسمي أو جدران الفصول في ذلك اليوم؛ بل انطلقت بي مسرعة، كجواد يركض نحو مواطن الدفء، إلى موعد مسائي استثنائي لا يغيب عن البال. كان عبارة عن تجمع عائلي دافئ وأخوي لأعضاء الهيئة التدريسية والإدارية بالمدرسة، حيث اجتمعنا على عشاء فاخر على شاطئ منطقة “شياع” الساحرة، حيث يمتزج صمت الليل بهدير الموج الأصيل.
لقد كانت هذه الأمسية مبادرة كريمة ولفته إنسانية بارعة من المرحوم الأستاذ خلفان بن سالم العلوي — طيب الله ثراه وغفر له — بالتعاون والتنسيق مع إخوته وزملائه أعضاء الهيئة الإدارية والتدريسية. لم يكن الهدف من ذلك التجمع مجرد ترفيه عابر أو هروب مؤقت من ضغوط العمل، بل كانت خطوة تربوية واجتماعية مدروسة بعناية فائقة لتحقيق أسمى قيم التكافل، والتعاون الأسري، وبث روح المحبة الصادقة والألفة بين كافة أفراد طاقم مدرسة سلطان بن مرشد. كان شاطئ شياع في تلك الليلة شاهداً على ضحكاتنا الصافية المتعالية التي غسلت تعب الأيام، وعلى أحاديثنا الودية التي تخطت رتابة المناهج وقوانين العمل المكتوبة لتلامس جوانبنا الإنسانية العميقة، فكنا هناك إخوة في مركب واحد، يجمعنا سقف واحد وأمل واحد.
لقد مكثت وقتاً طويلاً جداً وأنا أصلح هذا المجلد، وأتفحص تلك الصور بعينين دامعتين وقلب يخفق بشدة. صور لزملاء كرام من مختلف الجنسيات والثقافات، وفدوا إلينا وحملوا معنا أمانة الرسالة، كانوا ولا يزالون في سويداء الذاكرة مكرمين، نستحضرهم بين فترة وأخرى ببالغ التقدير، وندعو للأحياء منهم بتمام الصحة والمديد من العافية، وبالرحمة والمغفرة والرضوان لمن رحل منهم عنا إلى دار البقاء.

وهنا يثور في نفسي سؤال ملحّ وموجع: لا أعلم لماذا مع حلول الإجازات بالذات، أجدني مسوقاً بهذا الحنين الجارف والاشتياق اللاذع لأعود إلى مخزن الذكريات؟ هل لأن زحمة العمل اليومي، وتراكم الضغوط، وتسارع وتيرة الحياة المعاصرة تشغلنا قسراً عن ماضي من عشنا معهم وتقاسمنا معهم رغيف العطاء وبؤس التعب؟ أم أن الإجازة هي المساحة الزمنية الوحيدة التي تسمح لأرواحنا المتعبة بأن تلتفت للوراء، لتدرك كم نحن مشتاقون لتلك الأيام الخوالي؟
مع كل صورة أقلبها الليلة، تستيقظ تفاصيل الماضي البعيد برائحتها وألوانها، وتعود للحياة ضحكات العائلة الصافية وجلسات الأصدقاء الأوفياء. إنها ملامح ووجوه صاغها الزمان برقة وعفوية، لتذكرني يوماً بعد آخر بأن رصيد الإنسان الحقيقي في هذه الدنيا الفانية ليس مالاً يودعه في المصارف لوقت الحاجة، وإنما هي تلك القلوب الطاهرة والنقية التي تدعو لك في ظهر الغيب، في حِلّك وترحالك، وفي حياتك وبعد مماتك.

إن من أروع مكاسب العمر، بل هو الكنز الإستراتيجي الأثمن، حينما تقف ذاكرتك في محطات إخوة، وأخوات، وأصدقاء عزيزين على قلبك، وتكتشف مع مرور السنين وتوالي المواقف أنهم الكنوز الحقيقية الثابتة التي تبقيها في رصيد حياتك. فتأنس بالحديث عنهم، وتستحضر مواقفهم النبيلة وشيمهم الرفيعة، وتسأل الله صادقاً من أعماق فؤادك بأن يسعدهم ويحفظهم أينما حطت بهم رحال الحياة، وأن يرفع عنهم كل ألم وضيق وبلاء، ويمتّعهم بأسماعهم وأبصارهم وقوتهم ما أحياهم. وكما يقال دائماً:
الرصيد الحقيقي ليس أرقاماً تُحسب في الدفاتر، بل أرواحٌ تُحب في الله، وقلوبٌ صادقة تذكرك بدعوة بظهر الغيب في عتمة الليل البهيم.

ومع تأملي العميق لتلك الملامح الغالية والمشرقة في الصور، تؤكد لي الأيام والسنوات حقيقة كبرى؛ وهي أن من رحلوا عن دنيانا وتوفاهم الله، كالأستاذ الفاضل خلفان بن سالم العلوي — طيب الله ثراه وغفر له —، لم يغيبوا عن عالمنا أبداً؛ بل لا يزالون باقين أحياء في حنايا القلب ومستقر الوجدان. ذكراهم قائمة وملموسة في كل ركن من أركان المدرسة، وتأثيرهم التربوي والأخلاقي ممتد في تفاصيل حياتنا كجذور شجرة طيبة راسخة في أعماق الأرض وثمارها يانعة في السماء. لقد رحلوا وغابوا عن الأعين والأنظار، لكنهم استوطنوا الوجدان إلى الأبد.

إن التجمعات الأخوية واللقاءات الأسرية بين المعلمين، كتلك التي عشناها وعايشنا أثرها على شاطئ شياع، ليست مجرد ترف اجتماعي، بل هي العصب الحقيقي والعمود الفقري لبناء بيئة تعليمية صحية، مستقرة، ومنتجة. إنها الأداة السحرية التي تكسر حواجز الرسميات الجافة، وتذيب جبال الجليد بين الإدارة والمعلمين، وتزرع الثقة المتبادلة في النفوس. هذا الترابط الإنساني يخلق روحاً وثابة من التعاون الصادق والمشترك، ينعكس بشكل تلقائي ومباشر على أداء المعلم وعطائه داخل الصف الدراسي.

عندما يشعر المعلم بأنه ليس مجرد رقم وظيفي، بل فرد أساسي في أسرة مترابطة تحبه وتقدره وتسانده، تزداد دافعيته للعطاء بلا حدود، ويصبح أكثر جسارة وقدرة على مواجهة التحديات التربوية بروح الفريق الواحد المتكامل، مما يساهم بشكل مباشر وحاسم في رفع جودة التحصيل الدراسي وتنشئة الطلبة على قيم المحبة والتعاون. إن هذه اللقاءات هي الوقود الروحي الذي يجدد طاقة المعلم النضاحة، ويذكره في كل حين بأن مهنته ومهمته ليست مجرد وظيفة يتقاضى عليها أجراً، بل هي رسالة ربانية سامية يؤديها بحب، وشغف، وإخلاص، وسط زملاء هم في الحقيقة بمثابة الإخوة والأخوات.

وفي ختام هذه السياحة الوجدانية بين مجلدات الصور، لا أملك إلا أن أرفع كفيّ تضرعاً وابتهالاً إلى العلي القدير: للراحلين الأبرار، اللهم ارحم من غابوا عنا بجسدهم وبقيت أرواحهم الطاهرة تظللنا، واغفر لهم وتجاوز عنهم، واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، واجمعنا بهم في دار كرامتك ومستقر رحمتك مع النبيين والصديقين والشهداء .
للباقين الأخيار، اللهم احفظ من بقي منهم من الإخوة، والأخوات، والأصدقاء، ومدّهم بموفور الصحة والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، واجعل الود بيننا موصولاً ببركتك لا يقطعه غياب ولا تغيره الأيام.
فسلامٌ على تلك القلوب الوفية التي تذكرنا بخير كلما لاح فجر، وسلامٌ على تلك الأرواح النبيلة التي جعلت من ذكرياتنا لوحات فنية خالدة لا تطمسها السنون، وسلامٌ على مهنة التعليم العظيمة التي تظل دائماً وأبداً رحماً جامعاً للإخوة الصادقين المنذرين أنفسهم لبناء الإنسان والمستقبل ..

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights