قصص وروايات

رواية :قبل أن تنتهي الدقيقة الأخيرة الفصل الخامس:القرية الصامتة..

ميمونة بنت علي الكلبانية

كان الطريق إليها يبدو وكأنه لم يُستخدم منذ سنوات.

أوقفت رهف السيارة عند لوحة خشبية مائلة، كُتب عليها بخطٍ باهت: “قرية السكون”. كانت الحروف متشققة، وكأن الزمن حاول محوها مرارًا ولم ينجح.

نظرت إلى الساعة.

١١:١١

توقفت عقاربها للحظة… ثم عادت تدور.

ابتلعت ريقها وهمست:
ليس مجددًا.

ترجلت من السيارة، فاستقبلها صمتٌ ثقيل لم تسمع مثله في حياتها. لا أصوات طيور، ولا همس أشجار، ولا حتى نسمة هواء. كان الصمت حاضرًا، كأنه كائن يراقبها.

تقدمت بخطوات حذرة بين البيوت الحجرية القديمة. كانت الأبواب مفتوحة، والنوافذ نصف مكسورة، لكن المكان بدا وكأن سكانه غادروه قبل دقائق فقط.

على أحد الحبال كانت ثياب أطفال لا تزال معلقة.

وفوق مائدة خشبية، كوب شاي جف منذ زمن.

وفي زاوية المنزل، لعبة صغيرة مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار.

همست رهف:
إلى أين ذهب الجميع؟

فجأة…

لم يدم سكون المكان طويلًا؛ إذ شقّه وقع خطواتٍ بطيئة تقترب شيئًا فشيئًا.

التفتت بسرعة، لكنها لم تجد أحدًا.

عاد الصوت مرة أخرى… خطوة، ثم أخرى، وكأن شخصًا يسير خلفها تمامًا.

استدارت.

لا أحد.

أسرعت في السير، فتسارعت الخطوات معها.

ثم توقفت.

فتوقف الصوت.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

أخرجت هاتفها لتلتقط صورة للمكان، لكنها عندما نظرت إلى الشاشة، تجمدت في مكانها.

كانت الصورة تُظهر شخصًا يقف خلفها.

رجلًا طويلًا يرتدي معطفًا أسود، وملامحه غارقة في الظل.

التفتت فورًا…

لم يكن هناك أحد.

ارتجفت يداها، وسقط الهاتف على الأرض.

وعندما التقطته مجددًا…

اختفت صورة الرجل تمامًا، وكأنها لم تكن موجودة.

واصلت سيرها حتى وصلت إلى ساحة صغيرة تتوسطها ساعة حجرية ضخمة.

كانت جميع عقاربها تشير إلى ١١:١١.

اقتربت منها ببطء.

وفجأة، دوّى صوت جرسٍ واحد.

ثم…

تشقّق الحجر أسفل الساعة ببطء، كأنه يستجيب لقوةٍ خفية، ثم انكشف من بين الشقوق صندوقٌ خشبي قديم، لفّه الغبار وأثقلته السنوات.

فتحته بحذر.

في داخله كانت مفكرة جلدية سوداء.

على الصفحة الأولى كُتب بخطٍ مرتجف:

“إذا وصلتِ إلى هنا… فهذا يعني أن الدقيقة الأخيرة بدأت بالفعل.”

تسارع نبضها وهي تقلب الصفحات.

كانت معظمها فارغة.

إلا صفحة واحدة، كُتب فيها:

“لا تثقي بالشاب الذي فوق الجسر… فهو يعرف النهاية منذ البداية.”

اتسعت عينا رهف.

كيف؟

كيف يعرف كاتب هذه المفكرة بالشاب الذي قابلته قبل أيام؟

وقبل أن تستوعب ما قرأته…

سمعت صوت طفل يضحك.

التفتت نحو مصدر الصوت.

كان طفلٌ صغير يقف عند نهاية الممر، ينظر إليها مبتسمًا.

وحين خطت نحوه خطوة واحدة…

اختفى.

لكن الضحكة…

بقيت تتردد في أرجاء القرية الصامتة.

يتبع… الفصل السادس: لا أحد يتذكرني

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights