الحرب الصهيوأمريكية على إيران وأعضاء البريكس
محمد بن حمدون السلطي
قيل عن السياسة إنها لعبة قذرة، ويتجلى ذلك بلا شك فيما يجري الآن من الحرب الصهيوأمريكية على الجمهورية الإسلامية في إيران، والتي استغلت وخدعت الحقيقة الجميع من وسطاء ومتابعين ومحللين، حيث ادعت في تسويقها المعلن أن السبب الرئيسي للحرب هو مشروع إيران النووي، وأنها تريد حماية حلفائها بالمنطقة، ومن ضمنهم دول الخليج العربي وإسرائيل، من أي احتمالات لاستخدام القوة النووية من الجانب الإيراني.
ولاشك أن السياسة لعبة المصالح، وتحركها أجندات معلنة وسرية، إلا أنه وبالحقيقة، وإذا ما عدنا إلى كون استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية لا تقوم فقط على ردود أفعال أو حماية دول بعينها، وربما قد يكون ذلك أحد دوافعها ومحركاتها، إلا أن الاستراتيجية العظمى لها تكمن فيما يهدد أمريكا أولًا ثم الحلفاء.
وبحسب رأي، ما حرك هذه الحرب القذرة على الجارة إيران هو مشروع البريكس، والذي يسعى إلى أن يكون نظامًا ماليًا موازيًا للنظام العالمي المعروف قديمًا باتفاقية بريتون وودز، والتي وقعها الحلفاء بعد هزيمة ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، والذي عُقد بالولايات المتحدة الأمريكية، وضم دول الحلفاء المنتصرة، والذي فعليًا يضم كلًا من أمريكا وبريطانيا وفرنسا، وهي الدول المتحكمة بالاقتصاد العالمي، وبكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث استُخدم هذا النظام في السيطرة على اقتصاديات العالم وإحكام القبضة على دول العالم الثاني والثالث، وما يعرف بالدول النامية ودول المعسكر الشيوعي والمتمرد على النظام الرأسمالي الأمريكي.
حيث أصبح مشروع البريكس، وهو تجمع مشاكس ومعادٍ للولايات المتحدة الأمريكية، يضم روسيا وفنزويلا وإيران والصين والبرازيل والهند، وهناك دول تقترب أو بين بين من دخول هذا التجمع، والذي إن نجح سيتم عزل الولايات المتحدة الأمريكية وعملتها الدولار، وتقزيمها عالميًا وماليًا، وتضعف استراتيجيتها القائمة على التحكم الاقتصادي بالعالم.
حيث طرح التكتل مبدئيًا التعامل بالعملات الوطنية بدل الدولار، واقترح عملة موحدة، والاعتماد على إرساء التعاملات بالعقود النفطية بالعملة الوطنية، وتعميم هذه السياسة على عقود الغاز الأكثر تحررًا من عقود النفط المعتمدة على بورصتي نيويورك ولندن، حيث صعود الغاز كطاقة، ووجود سفن لنقله يبقيه الأقرب بيد تكتل البريكس لاستخدامه بعيدًا عن هيمنة الدولار ونظام البترودولار.
كل هذه المعطيات دعت الساسة الأمريكيين إلى اعتماد استراتيجية حربية، نتيجة الخوف من هذا المشروع الجديد للنظام عالمي موازٍ سيقضي على الحلم الأمريكي، الأمر الذي استدعى منها وضع كل أعضاء هذه الدول بمشروع البريكس بقائمة الاستهداف، واعتماد آلية لتسويق وتبرير حربها ضدهم بشتى الوسائل.
حيث قامت باستهداف روسيا من خلال إشغالها كليًا بالحرب في أوكرانيا لاستهلاك مواردها، وإحكام الخناق المالي ضدها، حيث قامت بإخراجها من النظام المالي المعروف بالسويفت، وإغراقها بالطاقة، بحيث لا تستطيع الاستفادة من بيع النفط والغاز، حيث كان الروس ينتجون قرابة 14 مليون برميل من النفط، يذهب نصفه للاستهلاك المحلي، إلا أن الروس استطاعوا إيجاد بديل، وتم بيع كامل إنتاجها للصين والهند، وهذا ما عزز موقع الصين الاقتصادي، وأنعش أذرعها بمجالات الصناعة، والذي نراه اليوم من دخول كبير ومنافسة شرسة للبضائع الصينية نتيجة هذا الانتعاش.
استكملت الولايات المتحدة الأمريكية حربها ضد مجموعة البريكس، وهذه المرة الصين، فقد حاولت أن تضربها من خلال إحكام القبضة على بضائعها المتدفقة للولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلال رفع الرسوم واستحداث ضرائب، وإجبارها على توقيع اتفاقيات للتحكم بانتاجها، وهو ما رفضته الصين، وبادلتها رفع الرسوم والضرائب.
بعدها سوقت أمريكا بروباجاندا ضد الرئيس الفنزويلي مادورو بأنه زعيم عصابة مخدرات، ودفعت بتمويلات سرية للقبض عليه وإحضاره للولايات المتحدة الأمريكية بحجة مقاضاته بتهمة المخدرات.
وبالحقيقة تريد وضع يدها على احتياطات النفط الضخمة التي تمتلكها فنزويلا، إضافة إلى السيطرة على إمدادات النفط للمرحلة القادمة، وهي إيران الشريك الفاعل بمجموعة البريكس، ومحطة رئيسية للحلفاء الكبار الروس والصينيين، وبالتالي تسيطر على قدرات إيران وطاقتها الاقتصادية ونفطها، وبالتالي ضرب مشروع البريكس، وتسديد ضربة قاضية لهذا التكتل الاقتصادي العدائي لها، بحيث وضعت كل أعضائه الكبار إما تحت حصار اقتصادي مثل روسيا والصين، أو تحت سيطرتها العسكرية المباشرة مثل فنزويلا وإيران، وستستمر بفعلها واستهدافها بقية الأعضاء كالبرازيل وأي دول أخرى تلمح بتحررها من نظام بريتون وودز، ومنها الإمارات والسعودية.
وبالتالي وجب على الساسة، وبالخصوص قادة دول الخليج العربي، الانتباه من خطورة الوضع الحالي، وألا ينجروا لصراع ليس سوى أجندة تسويقية للأمريكان والنظام العالمي المالي المتحكم بمصير الشعوب، والغير آبه بالقانون الدولي ولا بالمبادئ ولا بشرعية الأمم المتحدة ولا بالعدالة، بل تدفعها الأنانية والسيطرة.
كما أن مجموعة البريكس وأعضائها عليهم الاستمرار بمشروعهم الحضاري لمنع الهيمنة الأمريكية على العالم ومقدراته، وإقامة نظام مالي موازٍ يستطيع فيه العالم التخلص من الهيمنة الأمريكية مستقبلًا، وإلا فسيبقى الجميع تحت رحمة المارد الأمريكي والصهيونية العالمية ونظامها المتوحش.
كاتب مهتم بالشأن السياسي والحقوقي



