حِينَ فُجِعَ الحَرْفُ بِمِيزَانِهِ، عائش .. التي كانت تقرؤني قبل الناس
عادل بن حميد الجامعي
في رثاء أختي الحبيبة عائشة بنت حميد بن عبدالله الجامعية
ت 15 صفر 1448هـ – 30 يوليو 2026م
لم أكن أظن أن يأتي يومٌ أجلس فيه إلى مكتبي لأكتب عنك، حبيبتي عائش، لا إليك..!
كنتُ أظن أن كل ما أكتبه سيجد طريقه إليك أولًا، وأن عينيك ستكونان أول نافذة يطل منها حرفي على الدنيا، كما كانتا دائمًا. وما خطر ببالي قط أنني سأكتب يومًا نصًا لا ينتظر ملاحظتك، ولا يترقب ابتسامتك العفوية، ولا يتهيأ لسماع رأيك، ثم يمضي إلى الناس وهو يعلم أن صاحبة الكلمة الأخيرة قد رحلت!
لقد كان فقدك أكبر من أن يوصف بأنه فقد أخت، أو صاحبة ذكريات، أما أنت فقد كنت أعمق عمقا، ثم كنت فوق ذلك شيئًا لا يعرفه إلا من عاش التجربة نفسها؛ كنت قطعةً من روحي، وركنًا من أركان حياتي، وميزانًا خفيًا لحرفي، حتى غدوت أشعر أن كثيرًا مما كتبته إنما خرج إلى الناس وفيه شيء من روحك، شيء من ذوقك، شيء من صدقك الذي لم يعرف المجاملة يومًا.
رحلتِ عائش، فأدركت لأول مرة أن بعض الناس لا يغادرون البيت وحده، بل يغادرون اللغة أيضًا.. يبقى كل شيء كما هو؛ الكتب في مكانها، والأقلام في أدراجها، والأوراق فوق المكتب، غير أن الحياة التي كانت تسري بينها تغيب فجأة، فيصبح كل شيء مألوفًا في صورته، غريبًا في معناه.. وما أقسى أن يبقى المكان كما كان، ويغيب الإنسان الذي كان يمنحه روحه.
كنتِ أول من أطرق بابه إذا انتهيت من كتابة مقال، أو فرغت من فصل، أو استوت قصيدة على ساقها.. لم أكن أبحث عندك عن ثناء، فما عهدتك تمدحين لمجرد المحبة، ولا كنت أخشى منك نقدًا، فما عرفتك تجرحين كلمة لتثبتِي صوابًا. كنتِ تقرئين بقلب الأخت، وعقل القارئة، وصدق الإنسان الذي يرى أن أجمل الهدايا أن يقول الحقيقة كما هي.. ولهذا كنت أثق برأيك كما أثق بسلامة الميزان.
ما زلت أسمع صوتك، وكأن الأيام لم تتحرك من مكانها، حين كنت تقولين لي: “أنت بارع في النثر أكثر من الشعر، وشعرك أيضًا لطيف.” ثم تبتسمين ابتسامتك اللطيفة، وتضيفين في تلك العفوية التي أحبها فيك: “لكن بعض شعرك ألغاز، وفيه كثير من الرمز والغموض؛ بعضه أفهمه، وكثير منه يبقى سرًا” ولم تكوني تعلمين أن هذه الكلمات القليلة كانت تفتح لي أبوابًا واسعة من التأمل، لأنني كنت أرى فيها قراءة صادقة لا يصنعها إلا قلب يحب الكاتب أكثر من إعجابه بالكتابة نفسها.
ولذلك لم تكوني قارئةً لنصي فحسب، بل كنت قارئةً لي أنا أيضا.. كنت تعرفين من أين جاءت العبرات، وأي حزن يقف خلف الصورة، وأي وجع اختبأ في الرمز، وأي صمت لبس ثوب البلاغة لأنه لم يجد لغةً يبوح بها. وكم من مرة قرأتِ ما لم أكتبه، وفهمتِ ما لم أسطع أن أنبس به، حتى خُيل إلي أن بيني وبينك لغةً لا تحتاج إلى حروف.
كنتِ مراجعة ديواني “ألطاف.. بين حرف وقلم” وفيه أذنت باسم أبي أن أقدم مرثية أمي وأختم كتابي بمرثية أبي، وقلت: “أبي يسمح أن تقدم مرثية أمنا قبله”، وكم من صفحة خرجت إلى الناس بعد أن مرت بعينيك الجميلتين حفظهما الله. وكنتِ مراجعة كتاب “ليان”، وشريكةً خفيةً في كتب أخرى لما ترَ النور بعد: مثلث بضلعين، همسات مشفرة، علمتني زوجتي، أجزالي، انعكاس، الواعظ القديم، وغيرها من النصوص والأوراق العلمية التي شاركتها في الندوات الدولية والمحلية، وغيرها من الأفكار المرصودة للمستقبل، واليوم أقف أمام تلك المخطوطات، فأشعر أنها فقدت كما فقدتُ أنا.. لا أراها أوراقًا تنتظر الطباعة، وإنما أراها كائنات صغيرة تبحث عن اليد التي كانت تربت عليها فتمنحها الأمل من روحك الزكية قبل أن تخرج إلى الحياة.. وي!! كأنها تسألني في صمتها: أين عائش؟ وي!! من سيمنحنا الطمأنينة التي كانت تمنحنا إياها؟
وما أكثر ما يؤلمني أنني كنت أؤجل أشياء كثيرة ظنًا مني أن العمر يتسع لها.. كنت أقول: سأرسل هذا الفصل إلى عائش بعد أن أراجعه مرة أخرى، وسأعرض عليها هذه الفكرة حين تكتمل، وسأترك هذه القصيدة حتى تهدأ قليلًا ثم أقرأها عليها.. ولم أكن أعلم أن بعض المواعيد لا يؤجلها الإنسان، بل يؤجلها القدر حتى لا تأتي أبدًا.. واها عويش اليوم واها..
ما أقسى كلمة “غدًا” حين يقولها الإنسان وهو يظن أنه يملكها.. !
منذ رحيلك، عائش، وأنا أكتشف أن الاشتياق لا يكون إلى الأمور الكبيرة وحدها، بل إلى التفاصيل التي كانت تبدو عادية وهي أجمل ما في الحياة.. أشتاق إلى ملاحظاتك المكتوبة على هامش ورقة، وإلى سؤال عابر منك عن عمل جديد، وإلى اختلافنا في اختيار كلمة، وإلى ابتسامتك حين تنتصر العبارة الجميلة.. أشتاق حتى إلى انتظار رأيك، فقد كان الانتظار نفسه نعمة، لأن نهايته كانت تنتهي إليك..
وأعجب كيف يستطيع القلب أن يصدق أن الإنسان قد مات، ثم يبقى في الوقت نفسه ينتظر عودته.. أفتح ملفًاتي، فأكاد أمد يدي إليك كما اعتدت سنوات طويلة، ثم أنتبه أن بيني وبينك اليوم عالمًا لا يقطعه بريد، ولا يحمله هاتف، ولا يختصره لقاء.. لم يبق بيننا إلا الدعاء حبيبتي، وذلك الرجاء العظيم الذي وعد الله به المؤمنين حين يجعل الفراق في الدنيا بابًا إلى لقاء لا ينقطع في الآخرة.
عائش، لم تكوني أختًا تعيش معنا فحسب، بل كنت سكينةً تمشي بيننا -حتى يوم فراقك بيننا في منزل اليمن- كنت تدخلين المجلس فيطمئن، وتتكلمين فيهدأ، وتبتسمين فتتسع القلوب.. ولم تكن طيبتك تصنعها المجاملة، بل كانت سجيةً منحك الله إياها، حتى أحس كل من عرفك أنه يعرف إنسانة لا تحمل في قلبها إلا الخير، ولا ترى في الناس إلا ما يستحق أن يُحب.
أما أنا، فلي معك مجلس لا يراه أحد.. أفتقدك بين الحرف والقلم.. أفتقدك حين تنتهي مني صفحة فأبحث بعيني عن أول قارئة لها.. أفتقدك حين أختلف مع نفسي في عبارة، فأقول: لو كانت عائش هنا لحسمت هذا التردد بكلمة واحدة.. أفتقد ذلك الشعور الجميل الذي كان يسبق إرسال أي نص إليك، والشعور الأجمل حين يعود إلي وقد ازداد صفاءً لأنك مررت عليه..
وكثيرًا ما أسأل نفسي: كيف أكتب رثاءك، وأنت التي كان ينبغي أن تراجعيها؟ وكيف أطمئن إلى هذه الكلمات، وقد غاب ميزانها؟ ثم أقول في نفسي إن هذا النص سيبقى ناقصًا، ليس لأن اللغة عجزت عن الوفاء لك، بل لأنك لم تقرئيه.. وسيظل فيه فراغ لا تملؤه البلاغة، لأن الذي كان يملؤه هو حضورك حبيبتي..
غير أن الإيمان، عائش، يعلمني كل لحظة –وخاصة خلال الأيام الثلاثة الثقيلة الماضية التي خلت من أنفاسك الزكية- أن الموت ليس نهاية الحكاية، وإنما انتقال إلى الوعد الذي لا يخلفه الله.. والله لا يخلف الميعاد.. وما دام المؤمن يرجو رحمة ربه، فإن الفراق مهما طال سيبقى مؤقتًا، والغياب مهما اشتد سيبقى معبرًا إلى لقاء أعظم.. ولهذا، كلما ضاق القلب بفقدك، وسّعه الرجاء في الله، وكلما أثقلته الذكرى، خففه اليقين بأنك عند أرحم الراحمين.
أسأل الله أن يكرم نزلك، ويشرح قبرك، ويجعل الشعر الذي كتبته، والكلمة الطيبة التي تركتها، والعلم الذي نفع الناس، والعمل الصالح الذي قدمته، نورًا يجري لك إلى يوم تلقينه.. وأسأله تعالى أن يجمعك بأمهاتنا وأبينا وإخوتنا الذين سبقونا، في مستقر رحمته، حيث لا فراق لا فراق، ولا حزن لا حزن، ولا دمعة، ولا خبر يفجع القلوب..
أما أنا، فسأبقى كلما انتهيت من كتاب، أو فرغت من مقال، أو ولدت لي قصيدة، أذكرك قبل أن أذكر نفسي.. وسأبقى أشعر أن لكل حرف أكتبه دينًا في عنقي لك، لأنك كنت ممن حفظوا هذا الحرف وشجعوه، وأخلصوا له دون ضجيج.. سيظل اسمك حاضرًا في دعائي، كما كان حاضرًا في حياتي، حتى يأذن الله بلقاء يطوي هذه المسافات كلها..
وحين يجمعنا الله في دار البقاء، لن أحدثك أولًا عن سنوات الفراق، ولا عن وجع الغياب، بل سأضع بين يديك الكتب التي كبرت بعد رحيلك، وأخبرك عن النصوص التي خرجت إلى الدنيا وهي تفتقد عينيك، ثم أنتظر رأيك كما كنت أنتظره دائمًا.. ولعلك تبتسمين تلك الابتسامة التي ما غابت عن ذاكرتي، ثم تقولين في رفقك الذي أعرفه: “ما زلت أراك بارعًا في النثر أكثر من الشعر، وشعرك.. لا يزال لطيفًا، وبعضه ما زال سرًا”..
إلى ذلك الموعد حبيبتي وأستاذتي الغالية عائش، سيبقى لك في قلبي منزل لا يشاركك فيه أحد، وسيبقى لك في دعائي نصيب لا ينقطع، وسيبقى اسمك كلما مر على لساني مقرونًا بالرحمة والرضوان.. رحمك الله رحمة واسعة، وجعل ما بيننا من محبة خالصة سببًا يجمعنا في جوار حبيبه محمد ﷺ وآله، في جنات النعيم، حيث لا يكتب أخٌ رثاء أخته، والسلام هناك أبدي، كما وعد الله عباده المؤمنين.
وددت أن لا أنهي هذه الحروف لأني أستحضرني بين يديك وأنا أكتب..
حفظك ربي ورعاك.. أخوك المحب عادل أبو أحمد الخطيب



