بناتُ الولايات في متاهة شقق مسقط
خالصة الصلتي
بعد منتصف الليل، تهدأ طرق مسقط، وتغلق المحال أبوابها، بينما تبقى أمام بعض العمارات حكاية مستيقظة: سيارة تصل، وأخرى تغادر، وثالثة تقف قرب المدخل. تتكرر المركبات والوجوه، وتضيء نافذة في طابق مرتفع، فيلحظ سكان الحي حركةً تثير الأسئلة حول شقق معروفة بسكن الطالبات والموظفات.
وفي التوقيت ذاته، تضيء الهواتف في بيوت متباعدة على خريطة عُمان.
أمٌّ في صلالة تسأل ابنتها عن يومها، وأبٌ في خصب ينتظر رسالة الوصول، وأسرة في عبري تحفظ عنوان عمارة في الخوير، وأخرى في صور تعرف اسم الحي في بوشر. تصل كلمة «بخير»، فتهدأ القلوب البعيدة، وتبقى تفاصيل السكن محصورة خلف باب الشقة.
تنام الولايات على مسافات طويلة، وتجتمع بناتها في مسقط؛ تحمل كل واحدة حقيبة الدراسة أو العمل، ودعاء أمها، وثقة أبيها، وحلم أسرة كاملة بمستقبل أجمل.
تستقبل مسقط كل عام طالبات وموظفات قادمات من مختلف محافظات عُمان. تفتح لهن الجامعات والكليات والمستشفيات والمؤسسات أبواب العلم والعمل، ثم تبدأ رحلة البحث عن غرفة في الخوض، أو شقة في الموالح، أو سكن مشترك في الخوير أو الغبرة أو بوشر أو العامرات.
تنتشر الإعلانات تحت عنوان «سكن طالبات»، فتحمل الأسرة العبارة بمعناها المطمئن: مكان منظم، ومشرفة مسؤولة، وضوابط واضحة للزيارات، وبيئة تحفظ أمن ابنتها وخصوصيتها. ثم تصل بعض الفتيات إلى شقق خاصة تضم ساكنات من أعمار وبيئات مختلفة، وتدار وفق تفاهمات شخصية تتغير مع تغير المقيمات.
من هنا تبدأ المتاهة.
تعرف الأسرة اسم المنطقة ورقم المبنى، بينما تحمل الحياة داخل الشقة أسئلة أعمق: من تقيم مع الابنة؟ من يدير المكان؟ كيف تنظم الزيارات؟ من يتولى المسؤولية عند المرض أو الخطر؟ وإلى أي جهة تلجأ الفتاة عند التعرض للضغط أو الاستغلال أو الابتزاز؟
وخلال السنوات الأخيرة، يتكرر في المجالس العُمانية ومنصات التواصل وبين سكان بعض أحياء مسقط حديث عن تجمع سيارات شبان أمام عمارات تسكنها طالبات أو موظفات، وعن حركة ليلية تلفت أنظار السكان، وزيارات متكررة تثير قلق الأسر والمجتمع.
هذا التداول الاجتماعي يحتاج إلى رصد مؤسسي جاد؛ فالمشاهد المتكررة تستحق التحقق، وكرامة الساكنات تستحق الحماية، وراحة سكان العمارات تستحق الاستجابة. وتحويل الملاحظات إلى بلاغات رسمية موثقة يحفظ الحقوق، ويضع كل حالة في حجمها الحقي، ويمنع تضخم الروايات في المجالس والمنصات.
وتبقى الغالبية من بنات الولايات المقيمات في مسقط نماذج مشرقة في الاجتهاد والالتزام وتحمل المسؤولية. يدرسن ويعملن ويحفظن ثقة أسرهن، ويسهمن في بناء الوطن. والمعالجة العادلة تحمي هذه الغالبية، وتوجه الرقابة نحو السلوك والمكان والواقعة وفق الأدلة.
وفي بعض البيئات السكنية المفتوحة، تصنع الغربة والوحدة والفراغ مساحة للعلاقات المؤذية. تبدأ الحكاية برسالة اهتمام، ثم تتحول الكلمات إلى لقاءات ووعود. وقد يستغل شاب قلة خبرة فتاة أو حاجتها إلى الاحتواء، وقد يدخل رجل متزوج إلى حياتها، فتنتقل آثار العلاقة من شقة في مسقط إلى زوجة وأطفال وبيت ينتظر صاحبه في مكان آخر.
المسؤولية الأخلاقية يحملها الطرفان؛ الرجل يحمل أمانته تجاه أسرته وكرامة الفتاة، والفتاة تحمل مسؤولية اختياراتها ووعيها بحقوق الآخرين. كما تحمل الأسرة واجب الحضور والاحتواء، وتحمل الجامعات والكليات وجهات العمل مسؤولية التنظيم والوقاية.
فالجامعة التي تستقبل طالبة من محافظة بعيدة تستقبل معها ثقة أسرة كاملة. وتنظيم القبول والجداول والرسوم يحتاج إلى منظومة موازية للسكن، لأن استقرار الطالبة النفسي والاجتماعي يرتبط مباشرة بتحصيلها ومستقبلها.
تستطيع الجامعات والكليات توفير مساكن داخلية، أو عقد اتفاقيات مع مساكن نسائية مرخصة، أو اعتماد قائمة رسمية بالشقق والمباني المستوفية لمعايير الأمن والسلامة والإشراف. كما يمكن تخصيص مكتب للسكن الطلابي يقدم للطالبة وأسرتها بيانات السكن ووسائل التواصل وإجراءات الطوارئ منذ بداية الدراسة.
وتحتاج محافظة مسقط إلى منصة إلكترونية باسم «سكن آمن»، تضم سجلًا للمساكن النسائية المعتمدة في ولايات السيب وبوشر ومطرح والعامرات ومسقط وقريات، وتعرض موقع السكن ورقم ترخيصه وإدارته وخدماته ووسائل النقل وبيانات المشرفة.
كما تحتاج الشقق المستخدمة للسكن الجماعي إلى ترخيص وتصنيف وتفتيش دوري، مع تحديد عدد المقيمات، وتنظيم الزيارات، وتوفير اشتراطات السلامة والخصوصية. ويتحمل مالك العقار مسؤولية معرفة طبيعة استخدام شقته والاستجابة لملاحظات السكان والتعاون مع الجهات المختصة.
وتأتي المشرفة الاجتماعية في قلب الحل؛ امرأة مؤهلة تجمع بين الحكمة والحزم والاحتواء، تعرف الساكنات، وتوفر لهن مرجعًا قريبًا عند المرض أو الخوف أو التعرض للاستغلال. كما يقدم عقد ثلاثي بين الطالبة ومالك السكن والجامعة إطارًا واضحًا للحقوق والمسؤوليات.
وتحمل الأسرة دورًا أساسيًا يبدأ بزيارة السكن، ومعرفة رفيقات الابنة والجهة التي تدير المكان، والاستماع إلى تفاصيل حياتها. فالابنة تحتاج إلى أم تسمع ما وراء كلمة «بخير»، وأب يعرف الطريق إلى شقتها، وبيت يمنحها مساحة آمنة للمصارحة والرجوع.
كما تحتاج الطالبات والموظفات إلى قنوات سرية للدعم النفسي والاجتماعي والقانوني، ويحتاج الشباب إلى خطاب تربوي صريح يرسخ حرمة البيوت وحقوق الزوجة والأطفال وكرامة بنات الناس.
مسقط مدينة تحتضن أحلام بنات عُمان، وهذه الأحلام تستحق مساكن آمنة ومؤسسات مسؤولة وأسرًا حاضرة.
وبعد منتصف الليل، تقف سيارة أمام عمارة، وتضيء نافذة في مسقط، ويرن هاتف في بيت بعيد. أمٌّ تنتظر صوت ابنتها، وأبٌ يراقب عقارب الساعة، وأسرة تختصر المسافة بالدعاء.
بين شقق مسقط وبيوت الولايات تمتد أمانة وطنية كبيرة؛ حين تحضر الرقابة والإشراف والتوعية، تتحول الشقق من متاهة مجهولة إلى بيوت آمنة، وتصل بنات الولايات إلى أحلامهن بكرامة وطمأنينة.



