قصة قصيرة (التقاطع 101) – الجزء الأول
خلفان بن علي بن خميس الرواحي
عند ذلك التقاطع في وسط الصحراء، كانت سيارات الشرطة قد ملأت المكان حتى تتمكن من إلقاء القبض على أكبر ناقلٍ للمتسللين إلى الدولة. بعد مراقبة طويلة وعمليات تحرٍّ وبحثٍ لعدة أشهر، تمكنت فرق التحريات من التوصل إلى نقطة استلام المتسللين ونقلهم.
من بعيد، كانت هناك سيارة قادمة، وعندما اقتربت من التقاطع 101 أطفأ السائق المصابيح ووقف على رصيف التقاطع وكأنه ينتظر أمرًا. كان رجال الشرطة في مكان بعيد عن التقاطع، وبعض سياراتهم أُخفيت خلف تلة رملية، ومن الصعب على العابرين رؤيتهم. وفي ذلك الوقت من الليل لا أحد يمر بذلك التقاطع إلا لغرضٍ ما.
ما زالت السيارة واقفةً لم تتحرك، ولم ينزل منها أحد. كان ذلك الرجل في سيارته يتابع بعينيه المكان وكأنه يبحث عن شيءٍ يختبئ في الصحراء وينتظر خروجه في أي لحظة. استمر واقفًا لفترة طويلة حتى ساوره القلق من الوضع الذي هو فيه، فلم يتعود الانتظار طويلًا. في المرات السابقة، كان بمجرد ما يصل يجد الأشخاص قريبين من التقاطع، يركبون ويتحرك بسيارته. لم يكن هناك حوار بينه وبينهم، فهو لا يهتم بمن يحمل معه، المهم المبلغ الذي يأخذه من الشخص الذي يتواصل معه.
رجال الشرطة في الجانب الآخر كذلك ينتظرون، ولا يرغبون في تفويت الفرصة التي أتيحت لهم أخيرًا لإلقاء القبض على ذلك المهرّب الذي يساعد هؤلاء المتسللين في الدخول إلى الدولة. فقد وردت إليهم بلاغات كثيرة من جهات مختلفة بهذا الأمر، وعدم الإمساك به الليلة سيضعهم في موقفٍ حرج مع المسؤولين في القيادات. لهذا أمر الضابط بقية الأفراد بعدم الحركة والانتظار حتى آخر لحظة، وتوقع أي حركة من صاحب السيارة الواقفة هناك.
ظهرت أضواء مصابيح يدٍ في وسط الصحراء، وكأنها ترسل رسالةً مشفرةً لأحد. كانت الإضاءة التي تبعث منها متقطعة، وأحيانًا تختفي فترة طويلة وأخرى قصيرة، ومرات تكون الإضاءة متلاحقة لا تتوقف. شدّ ذلك انتباه رجال الشرطة، فقال الضابط المسؤول عن المهمة: ربما يكون هذا الأمر شفرةً بين صاحب السيارة الواقفة وهؤلاء الأشخاص القادمين من عمق الصحراء.
رويدًا رويدًا يقترب النور أكثر، وتبدأ الإشارات تختفي حتى تصل مجموعة من الأشخاص قريبًا من السيارة. يفتح أحدهم الباب، ودون حديث يلجون إلى داخلها، فيدير السائق المحرك ويستأنف الحركة.
كانت الشرطة تراقب الوضع عن كثب، وينتظرون أوامر الضابط. رأى الضابط أن يتركهم يتحركون قليلًا من المكان الذي هم فيه، وبعدها تتم المداهمة من اتجاهاتٍ مختلفة بحيث لا يكون لديهم مجال للهروب. ومن خلال جهاز النداء، وجّه الضابط أوامره بالحركة ومحاصرة السيارة.
من مكبر الصوت صرخ أحد أفراد الشرطة: صاحب السيارة، الرجاء التوقف جانبًا. انتبه الرجل في السيارة إلى الصوت، وما هي إلا برهة حتى أحاطت به مجموعة من السيارات. لم يقاوم، بل على العكس كان كله استغرابًا مما يحدث. نزل من السيارة وقد رفع يديه فوق رأسه. عندها هجم رجال الشرطة وألقوا القبض على السائق ومن كانوا معه في السيارة.
بصوتٍ خافت قال لهم: خيرًا إن شاء الله، ماذا فعلت حتى كل هذا العدد منكم يُلقي عليّ القبض؟
نظر إليه الضابط وقال له: بإذن الله سوف تعرف السبب في المركز.
جرّ الضابط السائق وأدخله في سيارة، والركاب الذين كانوا معه في سيارةٍ أخرى. نظر الضابط إلى الرجل فوجده إنسانًا بسيطًا، مظهره لا يوحي بأنه مهرّب، وهذا بدوره أدخل في نفسه شيئًا من الشك والريبة، ولكنه آثر تأجيل الأسئلة حتى يصل إلى المركز. كما أنه تواصل مع الأفراد الآخرين في السيارة الثانية وأخبرهم بألا يتعرضوا لمن معهم بأي شيء، بل يعاملوهم معاملة حسنة حتى يصلوا إلى المركز.
الرجل في سيارة الشرطة لم يتحدث مطلقًا، حتى إنه لم يدافع عن نفسه، ولم يسأل عن السبب الذي من أجله تم إلقاء القبض عليه إلا في تلك اللحظة التي هاجمت الشرطة سيارته، بعدها التزم الصمت. هذا الصمت هو الذي جعل الشرطي يشك في أمره، فلم يجد له مجالًا إلا أن يطرح عليه سؤالًا:
– كيف وصلت إلى هؤلاء الأشخاص؟
لم يرد على السؤال، وبكل صرامة قال: أنا لم أفعل شيئًا، هذا عمل!
نظر إليه الضابط وقال: أي عمل، وأنت تُلحق الضرر ببلادك ومجتمعك بهؤلاء؟
– لن أتحدث مع أحد إلا في المركز. – وأنا لا أُلزمك بالحديث معي، وهذا حقك، وقريبًا سوف نصل إلى المركز. – أنا بريء حتى يثبت العكس. – باستغراب رد عليه الضابط: نحن حتى الآن لم نتهمك بشيء. – كلامك متناقض مع أفعالك، بريء وأنا مكبل بالأغلال داخل سيارة الشرطة. – كل هذا إجراءات عادية لا بد من القيام بها مع كل مشتبهٍ به. – طيب، عندما نصل إلى المركز أريد التحدث مع شخص. – من هذا الشخص؟
نظر إليه وقال بثقة: من هو أعلى منك رتبة، وعندما نصل سوف تعرفه، لا تستعجل.
صمت الضابط ولم يعاود السؤال مرة أخرى. ومع البساطة التي ظهرت على هذا الرجل، إلا أنه كان واثقًا من نفسه وهو يتحدث معه. هناك أمرٌ يخفيه ذلك الرجل، لم يستطع أن يصل إليه بخبرته الطويلة في جهاز الشرطة. ذلك الرجل الجالس خلفه يضمر في داخله أمرًا جعله يتحدث بتلك الثقة. ربما الساعات القادمة سوف تُظهر ذلك السر.
وصلت سيارات الشرطة إلى المركز، وقاد الضابط الرجل، ومن خلفه بقية رجال الشرطة يجرّون الركاب الذين كانوا معه. في الأحوال، أمر الضابط أن يُؤخذ الرجل إلى زنزانة، ويوضع الآخرون في زنزانةٍ أخرى. وقبل أن ينفذ الشرطة أمر ضابطهم، صرخ الرجل في الضابط:
– قلت لك أريد التحدث إلى شخص.
كان الضابط حليمًا، فقال: بإذن الله تعالى، لم أنس هذا الأمر، ولكن الآن الوقت متأخر، وغدًا سوف تتحدث مع ذلك الشخص.
– عذرًا! أنا لن أدخل الزنزانة.
أخرج بطاقة من جيبه وناولها للضابط، ثم توجّه إلى الكرسي القريب منه، واستأذن الشرطي الذي يمسك به ليسمح له بالجلوس.
نظر الضابط إلى تلك البطاقة، وظهرت على وجهه علامات الاستغراب والتعجب، وكأنه فهم من البطاقة سر قوة هذا الإنسان. لم يتحدث إليه، فقط نظر بعينيه وأرسل من خلالهما رسالة وصلت إلى الرجل وفهم مغزاها.
تقدم الضابط من الشرطي وقال له: فكّ قيده، ثم خذه إلى مكتبي.
نهض الرجل وقال: شكرًا لك، سيدي الضابط، وبإذن الله تعالى سوف تفهم القصة بعد أن أخرج من مكتبك.
خطا خطوات واثقة باتجاه غرفة المكتب ودخل إليها لعدة دقائق، ثم خرج ونادى على الضابط، وأشار إليه أن يتقدم نحوه، وقال له: هناك من ينتظرك على خط الهاتف.
خرج الرجل وأغلق الباب، وعاد إلى المكان الذي كان يجلس به وعيناه على الباب. لحظات بسيطة، وخرج الضابط من المكتب ونادى على الأفراد الذين معه:
– أطلقوا سراح هذا الرجل ومن معه من الركاب، وسلموا لهم سيارتهم.
لم ينطق الضباط بشيء غير هذا. نهض الرجل واستلم مفتاح سيارته، ثم اتجه إلى المكان الذي وُضع فيه ركابه وأخذهم، وكأنه لم يحدث شيء.
كان الجميع صامتين، ولديهم العديد من الأسئلة، ولكن لم يتجرأ أحد منهم على طرح أيٍّ منها على الضابط. كل ما لاحظوه اختلاف هيئته عندما تم إلقاء القبض على الرجل، وبعد أن رأى تلك البطاقة. لمن تكون؟ وما الحديث الذي دار في مكتبه؟ ومن هو الشخص الذي كلمه ذلك الرجل؟
انتبه الضابط إلى الحيرة التي ظهرت على أفراد الفريق، فقال لهم: الأيام القادمة سوف تكشف كل شيء.
وبعدها انصرف، وأمرهم بالانصراف.


