قِبلة الأمان وبوصلة السلام

صالح بن سعيد الحمداني
قبل أعوام طويلة كانت تتردد عبارة لافتة مفادها أن العالم سيأتي يوم في عام 2020 يتمنى فيه الجميع أن يكون عُمانيًا، آنذاك استقبلها الناس بآراء متباينة؛ فمنهم من رآها مجرد عبارة طموحة، ومنهم من تعامل معها بشيء من الدهشة أو التحفظ، لكننا اليوم ونحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتقلب فيه الموازين، ندرك بوضوح كم هو عظيم أن ننتمي إلى هذه الأرض وكم هو كبير الفخر بأن نكون عُمانيين.
فالعالم من حولنا يغلي على صفيحٍ ساخن؛ حروب تتصاعد، وأزمات تتفاقم، واتهامات تتبادلها الأطراف بلا هوادة، مشهد عالمي مضطرب يقترب أحيانًا من حافة الانهيار، ليس بسبب النزاعات التي تحصد الأرواح وتشرد الشعوب فحسب وإنما أيضًا بسبب ما نشهده من تراجع في القيم وانحدار في لغة الخطاب العام، فوسائل التواصل والشاشات الإعلامية أصبحت في كثير من الأحيان ساحاتٍ للتجريح والاتهامات والشتائم، بين أفراد وجماعات بل وحتى بين شعوبٍ بأكملها بين بعضها البعض، وفي خضم هذا المشهد المضطرب تقف عُمان ثابتةً في موقعها، متماسكة الصفوف، يلتف أبناؤها حول قيادتها الحكيمة بثقةٍ واعتزاز، يمضي العُمانيون خلف قائدٍ يقود مسيرة الوطن برويةٍ وبصيرة، ويواصلون بناء حاضرهم بثبات رغم ما قد يحيط بالمنطقة من تحديات أو محاولات استهداف بين الحين والآخر، فنحن ندرك تمامًا أن عُمان ليست بمعزل عمّا يجري حولها، لكنها في الوقت ذاته قادرة، بحكمتها وتماسك شعبها، على أن تظل شامخةً أبية، حصنًا منيعًا في وجه كل من تسوّل له نفسه المساس بها.
ويزداد هذا الفخر رسوخًا حين ننظر إلى السياسة التي تنتهجها عُمان؛ سياسة واضحة المعالم يعرفها القريب والبعيد، تقوم على الحكمة والاعتدال وبناء الجسور لا هدمها، لقد أصبحت عُمان بوصلةً للسلام، وملاذًا للحوار، وموطنًا يلوذ به المختلفون حين تضيق بهم السبل، فيجدون فيها صوت العقل ونور الحكمة، وإرادة صادقة لمدّ جسور التفاهم وحلحلة أعقد القضايا، وعلى مرّ التاريخ عُرف الشعب العُماني بخصاله النبيلة؛ طيبة القلب، ومكارم الأخلاق، وروح المروءة والإحسان، إلى جانب الصبر والكرم ورفعة النفس، غير أن هذه الصفات لم تكن يومًا مرادفًا للضعف، فالتاريخ يشهد بأن العُمانيين كانوا حاضرِين في ميادين العمل والبطولة، يتركون بصمتهم حيثما حلّوا، ويكفي أن نعود إلى صفحات التاريخ لنرى ما سطره أبناء هذه الأرض من إنجازات منذ العصور القديمة، حين عُرفت عُمان بأسماء مثل مَزون ومَجان، تلك الأسماء التي ارتبطت بحضارةٍ ضاربة في عمق الزمن، إذا كان هذا هو حال الأجداد فلا يخالجني أدنى شك في أن أحفادهم رجال اليوم، لن يكونوا أقل شأنًا منهم، فهم أهلٌ لحماية وطنهم ومستعدون لبذل أرواحهم في سبيله، وصناعة صفحات مشرقة كتلك التي نقشها التاريخ بحروف من ذهب، وأضاءتها عظمة البطولات، إنهم جديرون بذلك فحب الوطن وأرضه يجري في دم كل واحد منهم، وانتماؤهم له حقيقة لا يختلف عليها اثنان، وعُمان لم تُعرف يومًا بأنها اعتدت على جار، ولم يُعرف عنها أنها خانت عهدًا أو باعت موقفًا، كما لم تكن يومًا أرضًا تقبل الذل أو تستسلم لغزوٍ غاشم، فقد امتد حضورها التاريخي خارج حدودها، لكن ذلك الحضور كان دائمًا مشفوعًا بالقيم الرفيعة واحترام الإنسان وكرامته، وكل من عاش على هذه الأرض الطيبة يدرك أنها لا تنبت إلا الطيب، ويكفينا فخرًا ما ورد في مدح أهلها عن رسول الله ﷺ حين قال «لو أتيتَ أهلَ عُمان ما سبّوك ولا ضربوك»، وهي شهادة نبوية تختصر الكثير من صفات هذا الشعب الأصيل.
واليوم بينما يتخبط العالم بين صراعات الشرق والغرب وتقلبات الشمال والجنوب، تبقى عُمان شامخةً بمواقفها، ثابتةً بعطائها، واثقةً بكلمتها، شموخٌ يلامس الثريا، لأن هذا الوطن يملك قراره، ويعرف طريقه، ويؤمن بقيمه، وإذ نعتز بما تحقق على هذه الأرض المباركة، فإننا نسأل الله أن يحفظ عُمان وأهلها، وأن يديم على سلطانها الصحة والعافية، وأن يبقى هذا الوطن واحة أمنٍ واستقرار.
وفي المقابل تقع على عاتقنا ـ نحن أبناء هذا الوطن ـ مسؤولية كبيرة في صون هذا الاستقرار، فاليقظة واجبة، والوعي ضرورة، خاصة في زمن تنتشر فيه الأخبار والشائعات بسرعة البرق، ومن هنا فإن الالتزام بالتوجيهات الرسمية، وتجنب ترويج الشائعات، والتروي قبل نشر الأخبار أو الصور أو المقاطع، أمورٌ بالغة الأهمية، فكل كلمة نكتبها، وكل صورة نلتقطها، وكل مقطع نرسله قد يكون له أثر يتجاوز ما نظن، إن الحذر والوعي والمسؤولية في التعامل مع ما يُنشر عبر الوسائل المختلفة هو أبسط ما يمكن أن نقدمه لوطنٍ أعطانا الكثير، وحين نلتزم بذلك فإننا نكون قد ساهمنا ـ ولو بقدر يسير ـ في حماية أمن هذا البلد وصون استقراره، حفظ الله عُمان وأبقاها شامخةً أبية، عصيّةً على كل سوء، بفضل الله أولًا ثم بقيادتها الحكيمة ورجالها الأوفياء، وأبنائها الغيورين الطامحين إلى أن تظل عُمان دائمًا حصنًا منيعًا، وقبلةً للأمان، وبوصلةً للسلام.



