الأربعاء: 18 مارس 2026م - العدد رقم 2858
مقالات صحفية

في زمن الضجيج … نحتاج إلى صوت الحكمة

حين يصبح الوعي خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمع

 علي بن مبارك اليعربي

في زمن تتسارع فيه الأخبار قبل أن تتأكد، وتعلو فيه الأصوات قبل أن تنضج الأفكار، لم يعد الخطر في الحدث ذاته، بل في الضجيج الذي يحيط به. ضجيج يصنعه التسرع، وتغذيه الشائعات، وتوسعه منصات لا تنتظر الحقيقة بقدر ما تلهث وراء السبق، حتى أصبحنا أمام واقع تختلط فيه الحقائق بالأوهام، وتتشابك فيه النوايا مع التأويلات.

لقد دخلنا مرحلة لم تعد فيها الكلمة مجرد ناقل للخبر، بل صانعا للموقف، وموجها للمشاعر، وربما محركا للأحداث. ومع كل إشعار يصل، يتشكل رأي، وقد يبنى حكم، دون أن يمنح العقل فرصة التثبت، أو يستدعى الضمير ليمارس مسؤوليته في التمييز.

إن فوضى المعلومات لم تعد ظاهرة عابرة، بل تحولت إلى تحد حقيقي يهدد وعي المجتمعات واستقرارها. فالشائعة اليوم لا تحتاج إلى زمن لتنتشر، بل يكفي أن تصاغ بذكاء، وتغذى بعاطفة، حتى تعبر إلى القلوب قبل العقول، وتستقر في النفوس قبل أن تمحص.

وهنا تتجلى الحاجة الملحة إلى الوعي الإعلامي، لا بوصفه مهارة تقنية فحسب، بل كقيمة تربوية وسلوك حضاري. فالإنسان الواعي لا يستهلك المعلومة كما تقدم له، بل يتساءل: من المصدر؟ ما الهدف؟ ما السياق؟ وهل هذه الحقيقة كاملة أم مجتزأة؟ إن هذا الوعي هو الذي يحمي المجتمع من أن يتحول أفراده، دون أن يشعروا، إلى أدوات لنشر ما يضرهم.

غير أن الحكمة لا تتوقف عند حدود التحقق، بل تمتد إلى ما هو أعمق: حسن إدارة الشائعات وأحاديث الأفراد وتكهنات الشعوب. فليست كل كلمة تقال تستحق أن تناقش، ولا كل خبر يتداول ينبغي أن يمنح مساحة في وعينا.
إن جزءا كبيرا من القلق الذي يثقل النفوس اليوم لا تصنعه الأزمات بقدر ما يصنعه سوء تعاملنا مع تدفق الأخبار. فحين نفرط في متابعة كل تفصيل، ونحلل كل إشاعة، وننغمس في كل تكهن، فإننا لا نزيد وعيا، بل نضاعف قلقا، ونستهلك طاقة نفسية كان الأولى أن تصرف فيما ينفع.

الحكمة هنا أن ندرك أن الراحة ليست في معرفة كل شيء، بل في اختيار ما يستحق أن نعرفه. وأن الاطمئنان لا يبنى على كثرة المتابعة، بل على جودة الانتقاء، وهدوء التلقي، وثقة الإنسان في ثوابته وقيمه.

إن إدارة الشائعات لا تكون بالانخراط في كل نقاش، بل أحيانا بالتجاوز الواعي، وتجاهل ما لا يستحق، وكسر دائرة التهويل قبل أن تتسع. فكم من إشاعة ماتت حين لم تجد من يحييها، وكم من قلق تلاشى حين لم يغذ بالاهتمام.

وفي خضم هذا الضجيج، يصبح صوت الحكمة ضرورة لا ترفا. صوت يهدأ قبل أن يحكم، ويتثبت قبل أن ينقل، ويوازن قبل أن ينحاز. صوت يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن نشر المعلومة قد يكون إسهاما في البناء أو مشاركة في الهدم.

إن حماية المجتمع اليوم لا تقتصر على حدوده الجغرافية، بل تمتد إلى حدود وعيه. فكم من فتنة بدأت بخبر كاذب، وكم من توتر اشتعل بكلمة، وكم من ثقة انهارت بسبب معلومة لم تمحص.

ومن هنا، فإن كل فرد فينا لم يعد مجرد متلق، بل أصبح شريكا في تشكيل الوعي العام. كل مشاركة قرار، وكل إعادة نشر موقف، وكل تعليق قد يكون لبنة في بناء الطمأنينة أو شرارة في إشعال القلق.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يختبر وعينا:
هل نريد أن نكون جزءا من الضجيج أم صوتا من أصوات الحكمة؟

إن المجتمعات التي تنجو من الأزمات ليست تلك التي لا تمر بها، بل تلك التي تحسن إدارتها بعقل راجح وقلب مطمئن.

وحين يعلو الضجيج، لا يكون الحل في رفع الصوت، بل في ترسيخ الحكمة، وتهذيب الوعي، واختيار السكينة منهجا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights