الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
قصص وروايات

حين تُستَغَلُّ الطيبة .. حكاية تاجر صغير بين نقاء القلب وجحود الناس

  مُزنة البَلوشيَّة

يا لَغصّةِ القلب حين يرى الطيبةَ تُستَغَلّ، والنقاءَ يُؤكَل كما يُؤكَل الخبزُ على موائد الجاحدين. ما أقسى أن يفتح المرءُ باب قلبه للناس ظنًّا أن في الصدور مثل ما في صدره، فإذا ببعضهم يدخلون لا بقلوبٍ بل بأكياسٍ من الأطماع، يزنون الودَّ بميزان المنفعة، ويكيلون الصداقة بمكيال الربح والخسارة.

كان ذاك التاجر الصغير رجلاً قلبُه كالكفِّ المفتوحة؛ لا تُغلَق في وجه محتاج، ولا تُردُّ عن صاحب رجاء. إذا أعطى أعطى بسماحة، وإذا وعد وفى بصدق، يمشي في السوق بوجهٍ بشوشٍ كأن الرزق أخٌ له لا غريب. غير أنّ في الناس من إذا رأى الطيبة ظنّها ضعفًا، وإذا لمس الصفاء حسبه غفلة، فمدّوا أيديهم إلى رزقه كما تمتدّ الظلالُ الطويلة عند غروب الضمير.

جعلوه سُلّمًا يصعدون به إلى مصالحهم، فإذا بلغوا مرادهم ركلوا السلم ونظروا إلى صاحبه من علٍ. كأنّ المعروف عندهم دينٌ يُمحى، لا فضلٌ يُحفظ؛ وكأنّ اليد التي امتدّت بالعطاء خُلِقَت لتُستنزف لا لتُصان. فوا عجبًا لمن يأكل من خبز الرجل ثم يكسّر تنّوره، ويشرب من مائه ثم يعكّر نهره!
يا هؤلاء… إن الطيبة ليست سذاجة، وإن الحلم ليس عجزًا، فالقلب الذي يصفح قادرٌ على أن يصدّ، واليد التي تعطي تعرف يومًا كيف تقبض. لا تظنّوا أن صمت الكريم رضا، ولا أن حلمه غفلة؛ فكم من صامتٍ يدوّن الأيامُ شكواه، وكم من صابرٍ يكتب الزمنُ له إنصافه.
إن التاجر الصغير لم يخسر حين أعطى، بل ربح شرف المحاولة ونقاء اليد؛ أما أنتم، فخسرتم شيئًا لا يُشترى في الأسواق ولا يُوزن في الموازين: خسرتم مروءة القلب. والرزق — وإن ضاق يومًا — يعود كالفجر بعد طول ليل، أما الكرامة إذا سقطت من صاحبها فلا سوقَ يردّها ولا تاجر يبيعها.

فراجعوا أنفسكم قبل أن يسبقكم الندم، واعلموا أن من يطفئ قنديل غيره ليضيء طريقه، سيبقى يسير في ضوءٍ مستعارٍ لا يدوم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights