السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
قصص وروايات

أحلام ورؤى.. (قصة قصيرة)

ناصر بن خميس الربيعي

أنظرُ إلى الزاوية في آخر الشارع المجاور للسوق التي تكاد تلفظ أنفاسها بعد عشر أيام سمان هناك يقبع “مقهى الأمل المفقود” الكائن في زاوية منسية ، هناك يجلس خلفان، صاحب مؤسسة “المستقبل الزاهر لكيّ الملابس”، يحدق في ورقة القرار الوزاري الجديد، وكأنها طلاسم سحرية هبطت عليه من كوكب آخر، يسمع خلفان الأصوات ترتفع من مكتب تعقيب المعاملات، خلفان يمثل النموذج الصارخ للمؤسسات الصغيرة التي تصارع الأمواج في بركة جفت مياهها؛ فمؤسسته العريقة تتكون من مكواة بخارية تعاني من “الربو الوظيفي” وعامل واحد يدعى “كومار” يتقن فن الابتسام أكثر من فن الكي نفسه .

في المكتب تأمل خلفان الأرقام الجديدة لرسوم التصاريح، فشعر بضغط دمه يرتفع متجاوزاً مؤشر البورصة في أيام عزها، كانت الفكرة تكمن في معادلة رياضية عجيبة: لكي يعفي نفسه من الرسوم العقابية، عليه أن يوظف عُمانياً في المحل الذي لا تتجاوز مساحته مساحة علبة كبريت، حيث سيكون على الموظف الجديد أن يقف فوق رأس “كومار” أو يتدلى من المروحة التي يدور رأسه معها ، لعدم وجود حيز شاغر على الأرض.

تخيل خلفان المشهد بمرارة ساخرة؛ “حمدان”، الشاب الطموح بخرطوشة عطره الفاخرة، يقف وسط أبخرة المكواة، يحاول التوفيق بين “الدشداشة” العمانية الموقرة وبين متطلبات “صندوق الأمان الوظيفي” الذي قرر فجأة أن يضاعف شهيته من جيب خلفان المثقوب، أحس خلفان أن الصندوق لم يعد مجرد “أمان”، بل صار “مارداً” يطالب بقرابين مالية تلو الأخرى، بينما الزبائن في الخارج يمرون أمام المحل، وكأنهم في سباق ماراثون، يلقون نظرات الشفقة على الملابس المعلقة ولا يجرؤون على الدخول خوفاً من دفع ثمن كي ملابسهم .

في لحظة تجلٍّ عبثية، قرر خلفان أن يحول الأزمة إلى إستراتيجية بقاء؛ فبدأ يفكر في تحويل المحل إلى متحف للقطع النادرة، حيث يمكن للناس أن يأتوا لمشاهدة “آخر صاحب مؤسسة صغيرة لا يزال يتنفس” مقابل رسوم رمزية تغطي نصف الزيادة في رسوم العامل، وبينما كان يخط بالقلم حساباته الختامية، اكتشف أن أرباحه السنوية لا تكاد تغطي قيمة الطوابع الحكومية اللازمة لتقديم طلب تجديد العامل المنتهية .

يوم طويل يكاد يكون أطول يوم يعيشه خلفان ،ولكنه انتهى فللكون نواميس لا تتغير ، وها هو خلفان يغلق باب محله ببطء، ناظراً إلى اللوحة التي تحمل اسم “المستقبل الزاهر”، فأدرك بابتسامة باهتة أن الزهور في مؤسسته لا تحتاج إلى ماء، بل تحتاج إلى معجزة اقتصادية أو إلى قرار وزاري يعتبر “الصبر” مهنة عمانية معتمدة لإحلالها محل “كومار” المذعور.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights