السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
قصص وروايات

عدوى السعادة !

  محمد عبدالرحمن

يُروى أنَّ حكيماً كانَ يجلسُ مع تلاميذه، فجاءه رجلٌ يشتكي ضيقَ صدره، وتراكمَ الهمومِ على قلبه، وقال: يا إمام، كأنَّ الدنيا كلّها قد اجتمعتْ فوقَ كاهلي، فلا أجدُ للسرورِ طعماً، ولا للراحةِ سبيلاً !

فأشارَ الحكيمُ إلى تلميذٍ من تلاميذه كانَ يُعرفُ بطلاقةِ وجهه وكثرةِ بِشره، وقال للرجل: اذهبْ فاجلسْ معه ساعة، ثمَّ عُدْ إليّ !

مضتِ الساعة، فعادَ الرجلُ وقد تهلَّلتْ أساريرُ وجهه، وانبسطتْ كفَّاه، فقال له الحكيم: ما الذي تغيَّر؟ هل أزالَ عنكَ فقراً، أو قضى عنكَ دَيناً ؟

فقال الرجل: لا والله يا إمام، ولكنَّه ظلَّ يُحدِّثني عن لُطفِ الله، ويتبسَّمُ في وجهي، ويُذكِّرني بنعمه التي أَلِفْتُها حتى نسيتُها، فكأنَّ عدوى سروره قد انتقلتْ إليّ !

هذه هي الحقيقةُ التي نغفلُ عنها : السعادة عدوى !

نحنُ نتخذُ احتياطاتنا من الزُّكام، ونغسلُ أيدينا خشيةَ الميكروبات، ونبتعدُ عن المصابينَ بالأمراضِ المعدية، وهذا من تمامِ العقل؛ ولكنَّنا ننسى أنَّ “خَرابَ الروح” عَدوى أيضاً، وأنَّ “السخطَ” عَدوى، وأنَّ “التبرُّمَ” من الحياةِ ينتقلُ بالجلوسِ مع أصحابه !

اعجبتني قصة مزارعٌ كانَ يملكُ أجودَ أنواعِ القمحِ في قريته، وكانَ يفوزُ كلَّ عامٍ بجائزةِ أفضلِ محصول. سأله صحفيٌ يوماً عن سرِّ نجاحه، فأخبره أنَّه يُوزعُ بذورَ قمحهِ الممتازةِ على جيرانه مجاناً !

دُهِشَ الصحفيُّ وقال له: كيفَ تُعطيهم أجودَ بذورِكَ وهم ينافسونَكَ في الجائزة ؟

فقال المزارعُ ببساطة: يا بُني، الرِّيحُ تنقلُ لِقاحَ القمحِ من حقلٍ إلى آخر، فلو زرعَ جيراني قمحاً رديئاً، فإنَّ الرِّيحَ ستنقلُ الرديءَ إلى حقلي، فبصلاحِ حقولهم يصلحُ حقلي !

هكذا هي الحياة، لن تكونَ سعيداً في مجتمعٍ بائس، ولن يصفوَ جَوُّكَ وحدكَ والجميعُ من حولكَ يتأوهون !

يقولُ النبيُّ ﷺ: “تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَة”.
تأمَّلوا هذا الدِّين، جعلَ من “العَدوى الجميلة” عبادة !

فالتبسُّمُ فعلٌ مُعدٍ، حينَ تبتسمُ في وجهِ جارِكَ، فأنتَ تزرعُ في قلبهِ بذرةَ رضا، وسينقلها هو لزوجته، وهي ستنقلها لأطفالها، وهكذا تدورُ الدائرةُ حتى تعودَ السعادةُ إليكَ مرةً أخرى !

نحنُ في زمنٍ كَثُرَ فيه “النَّادبون”، الذين لا يرونَ في الوردةِ إلا شوكها، ولا في النهارِ إلا حرارته. اِبتعدْ عن هؤلاء، ليسَ قسوةً عليهم، ولكنْ حمايةً لقلبِكَ، فالمرءُ على دينِ خليله، وعلى مِزاجِ جليسه !

الفكرة من هذا كله ، إذا اردت تغيير هذا العالم فبدأ بنفسك أولا !

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights