الأربعاء: 18 مارس 2026م - العدد رقم 2858
مقالات صحفية

عيد الفطر محطة الروح وموسم البهجة

د. سعود ساطي السويهري

يأتي عيد الفطر المبارك كجائزةٍ ربانيةٍ بعد رحلةٍ إيمانيةٍ طويلةٍ في شهر رمضان، ليملأ الدنيا نورًا وسرورًا. فالعيد في جوهره ليس مجرد أيامٍ للراحة، بل هو إعلانٌ عن انتصار الإنسان على شهواته، ولحظةٌ فارقةٌ تجمع بين شكر الخالق والاحتفاء بالحياة.

فمن الناحية الشرعية، يمثل عيد الفطر ذروة الشعور بالامتنان لله عز وجل؛ فتبدأ التكبيرات لتعلّمنا أن الله أكبر من كل همومنا، وأكبر من كل تعب. والعيد في الإسلام هو عبادة الفرح، حيث شرع الله لنا التوسعة على الأهل والفقراء عبر زكاة الفطر، لتكتمل صورة التكافل الاجتماعي. كما تبرز قيمة صلة الرحم كأحد أسمى العبادات في هذه الأيام، حيث تذوب الخلافات وتتصافى القلوب؛ مما يعيد ترميم الروابط الأسرية والاجتماعية على أسسٍ من المودة والمغفرة.

ومن الناحية النفسية، يُعدّ العيد بمثابة هدنةٍ إيجابيةٍ للعقل والروح من ضغوط الحياة اليومية. إن ممارسة طقوس العيد، من ارتداء الملابس الجديدة والتجمع مع الأحبة، ترفع من هرمونات السعادة (السيروتونين والدوبامين)، مما يقلل من حدة القلق والتوتر المزمن. كما يمنح العيد النفس رسالة طمأنينة بأن هناك دائمًا فرصةً للبداية من جديد، وبأن الفرح حقٌّ أصيلٌ لكل إنسان. وهذا التغيير في الروتين يكسر الرتابة، ويشحن الطاقة النفسية للإنسان؛ مما يجعله أكثر قدرةً على مواجهة تحديات الحياة بروحٍ مقبلةٍ ومتفائلة.

إن الربط بين الجانبين الديني والنفسي في العيد يظهر في السكينة التي يشعر بها المؤمن؛ فالفرح بالعيد ليس فرحًا ماديًا فحسب، بل هو فرح إنجاز، حيث يشعر المرء بتقدير الذات لأنه أتمّ الصيام والقيام. وهذا الشعور بالإنجاز يُعدّ من أقوى الدوافع النفسية لمواجهة الإحباط. ومن هنا، يصبح العيد فرصةً ذهبيةً لتنقية النفس من الغضب والكراهية، واستبدالها بمشاعر التسامح التي تريح القلب والجسد معًا، ليعود الإنسان من عيده بشخصيةٍ أكثر توازنًا وإشراقًا.

وإليك مجموعة من النصائح النفسية المستوحاة من أجواء عيد الفطر لتعزيز النفس، وجعل العيد فرصةً حقيقيةً للاستشفاء النفسي:
• التواصل البصري والحديث المباشر مع الأهل يشحن خزان العاطفة لديك بطريقةٍ لا يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تعوّضها.
• مارس الامتنان الواعي؛ لا تجعل العيد يمر كروتين، بل توقف للحظات وتأمل في نعمٍ صغيرةٍ تملكها (جلسة عائلية، طبق حلوى، ضحكة طفل)، فالامتنان من أقوى الوسائل الطبيعية لمقاومة مشاعر الإحباط والقلق.
• اجعل التسامح هديةً لنفسك؛ فحين تصفح عمّن آذاك، فإنك ترفع ثقلًا عن قلبك، فالتسامح يحرر النفس من توتر الغضب المكبوت.
• تجنب المقارنة الاجتماعية؛ فالعيد فرحتك الخاصة بما تملك، وليس سباقًا مع الآخرين في المظاهر، لأن المقارنة تسرق بهجة اللحظة.
• استمتع بلذة الإنجاز؛ ذكّر نفسك بأنك أتممت رحلة صيام كاملة، فهذا الشعور يعزز ضبط الذات، وهو أساس بناء الثقة بالنفس، فاجعله دافعًا لبداية أهداف جديدة بعد العيد.

اجعل من هذا العيد نقطة تحول؛ اغسل قلبك من غبار الغضب، وحرّر روحك من قيود الهموم، واستقبل أيامك القادمة بنفسيةٍ مشرقةٍ وجسدٍ مرتاح. فالعيد الحقيقي هو أن يولد فينا أملٌ جديد، وأن ندرك أن من استطاع تهذيب نفسه في رمضان، قادرٌ على أن يعيش حياته كلها في توازنٍ وطمأنينة.

وكل عام وأنتم بخير

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights