رواية قصيرة حين يصمتُ الجوار… يتحدث يمنُ الأنصار – الجزء الرابع
إبراهيم مجاهد صلاح
*الفصل السابع*
المقاومة..أطفال يحملون الأمل وأسلحة
في حلكة الليل الممتد على خرائط النار،
حين استصرخ الوطن من أقصاه إلى أقصاه،
وحين ظن العدو أن الميدان لن يسع جبهاتٍ جديدة،
أطلّ من جنوب الجزيرة أسدٌ عربي،
يزئر من صنعاء العروبة:
“هنا اليمن!
هنا البأس الذي لا يُكسر،
هنا رجالٌ لا ينامون،
إلا والكرامة خفّاقة، والسماء شاهدة.”
—
في غرفة عملياتٍ تقطر وهجًا من الصبر والصواريخ،
وقف القائد هاشم، بزيّه العسكري الغارق في رائحة البارود،
يمسك خارطة البحر، ويقول بصوتٍ كالصخر:
“غدًا لن تبحر سفينة نحو موانئ فلسطين،
سنقلب البحر سجناً لسفنهم،
صواريخنا البالستية بانتظار الإذن،
وطائراتنا المسيّرة تعرف عيون العدو عن ظهر قلب.”
وبالفعل…
صباحًا حمل الغيم في جوفه زئيرًا،
انطلقت “قدس 3″ و”ذو الفقار”،
ومن بعدها ” فلسطين 2فرط الصوت” بصوتٍ يفوق الرعد،
تشقّ الهواء بلا رحمة،
تصيب سفن الدعم في الأعماق،
فـتسقط المدمّرات كما تتهاوى أوراق الخريف في ريحٍ غاضبة.
ومن السماء…
حلّقت المسيّرات اليمنيّة كما تحلق الصقور الجائعة،
“صمّاد”، و”يافا”،
تنسج في المدى نسيج الحصار،
تغلق خطوط الملاحة،
تحوّل البحر الأحمر إلى بحرٍ من لهب.
وحين جاءت أمريكا تستعرض…
حاملات الطائرات الأمريكية جاءت بقرونها المذهّبة،
تظن البحر ساحة استعراض… لا اشتباك.
“يو إس إس أيزنهاور”،
أخواتها
مضت تتفاخر على مرأى العدسات.
لكن سجاد رفع سبابته وقال بهدوء:
“فليأتوا… وسنكتب البحر بلونٍ جديد،
فالمياه لنا، والساحل لنا،
ودماءنا وحدها تملك قرار العبور.”
ودارت المعركة في عمق المحيط،
اليمنيون أطلقوا عاصفة من الصواريخ،
ثلاث حاملات طائرات تترنح،
أجهزت عليها “زعيم البحر” و”رعد اليمن”،
فانطفأت أضواؤها، وغاصت في الغياب.
وأما البقية؟
هربت…
كما تهرب الضباع من صوت الأسد.
*الفصل الثامن*
وفي الداخل الفلسطيني المحتل…
استفاق العدو على زلازل لا يعرفها من قبل:
مواقعٌ استخبارية في النقب تُضرب،
مطاراتٌ تُشلّ،
مفاعل ديمونا يرتعد من وقع المسيّرات الطويلة النفس،
وكلّ صاروخٍ من اليمن…
كان يحمل توقيعًا واحدًا:
“القدس لنا… والنصر وعدٌ لا يُرجى، بل يُنتزع.”
وفي تلك اللحظة، دوّى اتصالٌ مشفّرٌ بين الجبهات:
سجاد – من اليمن:
“البحر أصبح لنا، والموانئ مغلقة،
من الآن، لا سفينة تُبحر إلى الموانئ الفلسطينية المحتلة إن لم يوقف العدوان ويرفع الحصار عن فلسطين.”
لم تكن الصواريخ وحدها من تقاتل،
ولا المسيّرات فقط من تحلّق بسماء العدو،
كان في اليمن صوتٌ آخر…
صوتٌ يمضي كل خميس…
صوتٌ تعوّد أن يأتي مع المغيب،
من على منبرٍ لا تهزه العواصف،
ولا تُصيبه المدافع.
في صنعاء…
تُضاء المصابيح،
ويجلس الشعب أمام الشاشات،
القلوب مفتوحة كما المصاحف،
في انتظار الخطاب.
فيخرج السيد عبد الملك الحوثي،
بعينٍ ترى أبعد من السماء،
وصوتٍ فيه من نور البأس واليقين ما يربك العدو قبل الصديق.
يقول بثقةٍ تعلو المدى:
“طوفان الأقصى ليس معركة غزّة وحدها،
بل طوفان أمةٍ طال صبرها،
ولتعلموا يا أبناء اليمن…
أن عهد التخلّي قد انتهى،
وأن صوتكم في الشارع…
يوازي وقع القاذفات في الجو.”
ويُتمّ كلماته بنداءٍ يهزّ الجبال:
“اخرجوا يا شعب الحكمة والإيمان،
اجعلوا الجمعة يومًا لفلسطين،
اجعلوا من الساحات منابر ومن الهتاف سلاحًا،
قِفوا… واصرخوا… كما لو أن القدس في صنعاء،
قولوها بأعلى الصوت: لستم وحدكم!
فتمتد الساحات كما الحقول حين ترتوي،
وتفيض الشوارع كما السيول حين تغضب،
ويخرج اليمنيون، صغارًا وكبارًا،
بأكفٍ مرفوعة،
وصدورٍ مفتوحة،
وأعلام فلسطين تخالط علم اليمن كأنما وُلدا معًا.
ويهتفون في صوتٍ واحدٍ جهور:
“لستم وحدكم!”
“الموت لإسرائيل!”
“لبيك يا أقصى!”
وتسير القوافل إلى الجبهات،
يتقدّمها الزنود كما تتقدم الأمواج،
وتنتشر الرايات في صنعاء، وتعز، وصعدة، وإب، والحديدة ، وذمار،وتعز،
وكأن الأرض كلّها تسير نحو القدس،
ولو بعد حين.
هنا، لم تعد الحرب فقط في المدى العسكري،
بل أصبحت في كل ساحة، في كل بيت، في كل دعاء فجرٍ…
وفي كل قلبٍ ينبض في اليمن.
وكان خطاب الخميس…
ليس موعدًا إعلاميًا،
بل وثيقة عهدٍ تُجدد كل أسبوع:
“نحن معكم…
حتى النصر…
أو الشهادة
كان صباح الجمعة في اليمن،
صباحًا مختلفًا…
الناس فيه لا يتهيّأون لصلاةٍ فقط،
بل لمعركةٍ يهتفون بها من الساحات،
ويهزون بها عرش الطغاة.
في صعدة، عند سفح الجبل،
كان حسين يربط شاله حول عنقه،
ويسحب أخاه علي من كتفه قائلاً:
“هيا بنا يا علي،
نمضي نحو الساحة…
نمضي نحو غزّة،
من لا ينصر من يموت جوعًا وقصفًا،
فليعلم أن الذل سيبلغه ولو في كهفٍ منسي.”
ومن الحديدة، أطلّ عُمر بوجهٍ مسمّر من شمس الساحل،
ردّ على مكالمة من صديقه أحمد في صنعاء:
أحمد: “كيف تخرجون في هذا الحر؟
عندكم 48 درجة حرارة!
ألا تخشون الشمس؟”
عمر (ضاحكًا بصرامة):
“خروجنا اليوم تحت لهيب الشمس،
يُطفئ عنّا لهيب جهنم غدًا إن شاء الله،
وإن لم نخرج لنصرة إخواننا،
فغدًا سيُسلّط علينا الدور…
وسيتفرج العالم علينا كما فعل اليوم.”
في البيضاء، كان صالح يحمّل مكبّرات الصوت في شاحنته الصغيرة،
وهو يصرخ للمارّة:
“من لا يُجيد الرماية فليُجيد الهتاف!
الساحة بحاجة لكل صوت،
من لا يحمل بندقية…
فليحمل راية!”
وفي إب، صعد عبد العزيز على سطح منزله،
ورفع علم فلسطين، وقال لزوجته:
“اليوم لا نطبخ شيئًا،
صيامُنا نذرٌ لغزّة،
وغداؤنا سيكون دعاءً في الساحة،
من يُشبع الروح لا يجوع الجسد.”
خالد من ذمار، كان قد كتب لافتته بدم قلبه:
“لن تكونوا وحدكم،
ففي صدورنا متّسع لصواريخكم،
وفي أكفّنا ماءٌ يبلّ تراب فلسطين.”
وليد من ريمة، خرج على دابّته،
يتقدّم ركب القرية نحو المدينة،
يهتف والهواء يصعد مع صوته:
“من ريمة… الجبل العالي يقول:
لا نرضى إلا بالقدس عاصمة،
ولا نرضى إلا بحرية غزة.”
طه من حجّة، صرخ في المذياع المحلي:
“اكتبوا عنا اليوم…
اليمن خرج من الحصار…
ليكسر حصار غزّة.”
حسن من المحويت، شابٌ نحيل يوزّع الماء على المتظاهرين:
“ما أملك غير هذه القارورة،
لكن إن عطشت غزّة،
فدمي سقياها.”
قاسم من مأرب، قالها بوضوح في ساحة المدينة:
“نحن أبناء النار…
ومن يعتاد على خط النار،
لا يخشى من بارجة ولا من طائرة،
فلسطين منا… ونحن منها.”
سعد من الجوف، كان يقف فوق سيارته المهترئة،
يصرخ للجموع:
“قالوا اليمن بعيدة!
بل نحن أقرب من صمتكم،
وأعلى من جدرانكم،
وأقسى على العدو من رياح السموم.”
عبد الكريم من تعز، حمل مكبر الصوت على كتفه،
وهتف من قلبه:
“أنا ابن تعز…
أكتب على جدران القلعة:
هنا وقف اليمنيّون يوم خذل العالم فلسطين!”
سمير من الضالع، لفّ علم اليمن حول رأسه،
وردد:
“فلسطين…
إن سقطتِ، نسقط معكِ،
وإن نهضتِ، ننهض خلفكِ.”
طاهر من لحج، كانت كلماته أشد من الرصاص:
“نحن من لحج…
لا نعرف السكون،
لا نهاب السجون،
ولا نؤمن بالحدود!”
طارق من عمران، غرس راية فلسطين على هضبة مرتفعة،
وكتب تحتها بالحجارة:
“لستم وحدكم…
النداء قد بلغنا،
والقسم صار فعلاً.”
هكذا تكاملت الأصوات،
واكتملت الجغرافيا:
من جبلٍ إلى وادٍ،
من ساحلٍ إلى صحراء،
من صنعاء إلى عدن،
اليمن كله قالها:
“غزّة في قلوبنا…
والقدس في أرواحنا!”


