مقالات صحفية

جيل الطيبين … من صنع جيل اليوم؟

علي بن مبارك بن خلفان اليعربي

لا يكاد يمر يوم إلا ونقرأ أو نسمع حديثاً عن “جيل الطيبين”، ذلك الجيل الذي يُقدَّم بوصفه نموذجاً للالتزام والاحترام والجدية وتحمل المسؤولية، في مقابل صورة قاتمة يرسمها البعض لجيل اليوم، فيُتهم بالتقصير والاتكالية وضعف الانضباط وتراجع القيم.

ولست هنا بصدد إنكار ما تميزت به الأجيال السابقة من صفات نبيلة، ولا التقليل من حجم التضحيات التي قدمها الآباء والأمهات والأجداد في ظروف كانت أكثر صعوبة وأقل إمكانات. فذلك جيل يستحق التقدير والاحترام، وقد أسهم في بناء الأوطان وإرساء دعائم النهضة والتنمية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كان جيل الأمس بهذه الصورة المشرقة، فمن صنع جيل اليوم؟

إن أبناء اليوم لم يأتوا من كوكب آخر، ولم ينشأوا في فراغ، بل هم أبناء ذلك الجيل نفسه الذي يتغنى اليوم بإنجازاته ويشكو من واقع أبنائه. فهم نتاج أسرنا، ومدارسنا، ومؤسساتنا، وثمرة قيمنا وخياراتنا التربوية والاجتماعية خلال العقود الماضية.

ومن هنا يبدو غريباً أن يمنح بعضنا نفسه شهادة التفوق في صناعة جيل الأمس، ثم يتنصل من أي مسؤولية عن واقع جيل اليوم. فإذا كنا نفتخر بأننا أبناء جيل صنع الرجال، فمن الإنصاف أن نعترف أيضاً بأن أبناء اليوم هم من تربيتنا وصناعة أيدينا، وأن ما فيهم من إيجابيات وسلبيات يعكس جانباً من نجاحاتنا وإخفاقاتنا معاً.

لقد كان الآباء في الماضي ينظرون إلى المدرسة باعتبارها شريكاً أساسياً في التربية. وكانت العلاقة بين البيت والمدرسة قائمة على الثقة والتكامل وتحمل المسؤولية المشتركة. ولم يكن المعلم مجرد موظف يؤدي ساعات عمل محددة، بل مربياً يحظى بمكانة اجتماعية ومعنوية رفيعة، ويجد من الأسرة دعماً وتعاوناً يعززان رسالته التربوية.

أما اليوم فقد اتسعت الفجوة بين البيت والمدرسة في كثير من الحالات، وأصبحت العلاقة بين بعض أولياء الأمور والمؤسسات التعليمية أقرب إلى تبادل المسؤوليات منها إلى الشراكة في تحملها. فبينما تنتظر المدرسة دعماً من الأسرة، تنتظر الأسرة أن تقوم المدرسة بكل شيء، وفي خضم هذا التراجع في التكامل التربوي ضاعت أدوار كثيرة، وتراجعت هيبة المعلم ومكانته في بعض البيئات، وتحولت التربية لدى البعض إلى مسؤولية مؤجلة أو موزعة على الآخرين.

ولا يعني هذا الحنين إلى أساليب الماضي أو الدعوة إلى العودة إلى ممارسات لم يعد يقبلها العصر، فلكل زمن أدواته ووسائله. لكن الفارق الحقيقي لم يكن في العصا أو في شكل المدرسة أو في بساطة المقاعد الخشبية، بل في وضوح الأدوار وتكاملها، وفي شعور الجميع بأن بناء الإنسان مسؤولية جماعية لا فردية.

كما أن من الظلم أن نقارن جيلاً نشأ في عالم محدود المصادر والتأثيرات بجيل يعيش وسط ثورة تقنية واتصالية هائلة تتنافس فيها الأسرة والمدرسة مع آلاف المؤثرات القادمة عبر الشاشات والمنصات الرقمية. فالتحديات التي يواجهها الأبناء اليوم أكبر وأعقد بكثير مما واجهته الأجيال السابقة، وهو ما يستوجب فهماً أعمق للواقع بدلاً من الاكتفاء بإصدار الأحكام.

إن الإفراط في تمجيد الماضي لا يصنع مستقبلاً أفضل، كما أن المبالغة في انتقاد الحاضر لا تعالج مشكلاته. فالأجيال ليست في منافسة مع بعضها البعض، بل هي حلقات متصلة يكمل بعضها بعضاً. وما نزرعه اليوم سنحصده غداً، كما حصدنا نحن بالأمس ما زرعه فينا آباؤنا وأمهاتنا.

لذلك فإن السؤال الأهم ليس: لماذا تغير جيل اليوم؟ بل: ماذا قدمنا نحن لهذا الجيل؟ وكيف تعاملنا مع المتغيرات التي أحاطت به؟ وهل وفرنا له القدوة والتوجيه والاحتواء الذي يحتاج إليه؟

إن جيل اليوم ليس خصماً لجيل الأمس، بل امتداد له. وإذا كان من حقنا أن نفخر بما قدمه الآباء والأجداد، فمن واجبنا أيضاً أن نتحمل مسؤوليتنا تجاه الأبناء والأحفاد. فالأمم لا تتقدم بالتغني بما كان، وإنما بالعمل على ما سيكون.

ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من “جيل الطيبين” ليس كثرة الحديث عنه، بل الاقتداء بقيمه في تحمل المسؤولية، والاعتراف بالدور، والصدق مع النفس. فقبل أن نلوم أبناءنا، علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا صنعنا نحن في جيل اليوم؟

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights