الفوضى في كل مكان
ناصر بن خميس الربيعي
تتساقط الأشياء حولي سقوطاً يُنبئ بمأساةٍ تخنق أنفاسي، وتُقوّض أحلامي المتواضعة إلا أنني أستمر في انتظار السقوط القادم، فالكبوة القادمة متوقعة لكنّها تُبقي في النفس أثراً كأثر النمل على الصخر، عامةً لم أعد أرى الأشياء المتساقطة لكثرتها؛ ولكنني أحاول في كثيرٍ من الأحيان ترتيبها لأصنع سُلّماً أبلغ به غايتي التي هي الأخرى تبهت من وقت إلى آخر، ومع ذلك أحاول اقتفاء أثرها بين ركام الحياة في الطرق المُتربة.
حولي يتكاثر الضجيج الصامت، ضجيج الأفكار التي تصطدم بجدران صدري فلا تجد منفذًا، فتعود لتتهاوى فوق بعضها بعضاً ، تزيد الفوضى، فوضى في كل مكان، فكلّما رصصتُ حجرًا في سُلّمي لأصعد خطوة للأعلى ، انزلق آخر من القمة، وكلّما ظننت أنني اقتربت من الضوء، من الحقيقة ، اتسعت الظلال تحتي، فلا أرى إلا طيفاً رمادياً يُشبهني ولا يُشبهني، ورغم ذلك، ما زلت أصعد صعود السلحفاة، لا لأنني أرى القمة بوضوح، لكنّ الوقوف هنا في الأسفل يعني أن أُدفنَ تحت هذا الركام، تحت أقدام العابرين، لأصبح مجرد عابرٍ مرّ من هنا.
اخترت أن أرتّب سُلّمي بيدي، أبنيه بتمهلٍ وتأنٍ، أمشي على أنقاض أحلامي القديمة، على سقطاتي أجمع شظاياها المتناثرة حولي ، لعلّ في لمعانها خيطًا يقودني إلى الغاية التي لم تعد تُرى، لكنّها تُحَسّ كما تُحَسّ نبضات القلب في العتمة، لا بُدّ أنّ البنيان سيكتمل في يومٍ من الأيام؛ فالمصباح لا يزال مضيئاً، والطريق طويل.
هكذا أمضي أصنع من السقوط درجات، ومن التعب طريقًا، ومن الفوضى نفسها سلّمًا لا أعرف إلى أين يبلغ، إلا أنني أعرف أن التوقف أشدّ قسوةً وألماً من الضياع. فالضياع حياةٌ لا عطرَ فيها ولا لونَ لها، الضياع في وسط الطريق أسوأ من الضياع في بدايتها، لا لن أضيع فقد تركت أثراً خلفي يُعيدني إلى محطتي الأولى إلى نقطة الصفر حيث البداية الأولى.



