بيئة مستدامة أم أكياس بلاستيكية؟
أحمد البحري
سأبدأ مقالي بقصة حصلت لي في أحد المراكز التسوق الكبيرة، حين ألقى أحد العمّال فيها جملة قالها بامتعاض شديد (نحن نحمي البيئية) وهو يناولني كيسًا قماشيًا لأضع فيه كومة من الأغراض، رددت عليه بابتسامة (كثّر خيركم) كامتنان إليهم، وحشرت أغراض في ذلك الكيس وبعضها حمتلها في يدي.
لا ريب أن سلطنة عمان تولي هتمامًا خاصًا بالحفاظ على البيئة، فرؤية عمان 2040 أفردت محورا مستقلًا للبيئة تحت مسمى (محور البيئة المستدامة) ولا يمكن أن تكون هناك استدامة من دون أن يتم حماية البيئة من عبث الإنسان.
يمكن القول أن حماية البيئة لا يأتي إلا من تعديل سلوك الإنسان نفسه، فهو يُعتبر العنصر الرئيسي في دمارها، ويمكنك مراجعة البيانات الإحصائية التي أوردتها مجلة Population Connection وهي مجلة مختصة بالبيئة، حيث يشكل نمو السكاني المضطرد الخطر الأكبر على البيئة، وما يصاحبه من نمو للصناعات وخاصة في الدول الصناعية الرأسمالية التي لا تعيير أهمية للبيئة، والتمدد العمراني الذي يقضم المساحات الخضراء، ولذلك كانت الرقابة عنصرًا مهمًا في حماية البيئة ففرضت قوانين تحمي البيئة من عبث المخربين بقصد أو من غير قصد، وفي عمان هناك العديد من التشريعات والقوانين والقرارات الوزارية التي تنظم مسألة حماية البيئة، لا يسع المقال لذكرها.
في الآونة الأخير ظهر تفاعل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي وكلام الناس في المجتمع بعد تطبيق قرار هيئة البيئة 8/2024، بسبب الصرامة في تطبيق القانون مع فرض الغرامات المالية التي قد تصل إلى 1000 ريال، مع أن تطبيق القرار يمر على مراحل حتى يتكيف السوق والمجتمع مع القرار.
ولكن لماذا أنا مع القرار والصرامة في تطبيقه؟ إن ما تؤكده التقارير العالمية والدراسات الدولية من أضرار أكياس البلاستيكية تدعونا إلى إعادة النظر في استعمالها، فقد أوردت مجلة biological diversity المختصة في التنوع البيولوجي مخاطر تهدد البيئة من استعمال الأكياس البلاستيكية، مثل: يستغرق تحلل الكيس البلاستيكي في مكب النفايات ألف عام، كما أن السوائل الكيميائية المتسربة من الأكياس البلاستيكية تعيق نمو الكائنات الحية الدقيقة الأكثر أهمية في العالم، وتعتبر مواد كيميائية المكونة للأكياس مسببة لاضطرابات الغدد الصماء، والتي ترتبط بتأثيرات صحية سلبية بما في ذلك السرطان والعيوب الخلقية وقمع الجهاز المناعي لدى البشر والحياة البرية، وتضيف، أما مجلة آسيا والمحيط الهادئ للبيئة والسرطان، تقول: بأن إعادة تدوير البلاستيك يطلق غازاتٍ سامة كثيرة، ويُنتج أكثر من 100 مليون طن من البلاستيك عالميًا سنويًا، حيث أنه لا يخضع البلاستيك للتحلل البكتيري، ويُعتبر التخلص منه عن طريق إعادة التدوير أو الحرق أو الطمر مجرد خرافة، فيما أوردت دراسة نشرت في دورية “إنفيرومنت إنترناشيونال” في جامعة برمنغهام البريطانية، أن بعض أكياس البلاستيك قد تسمم الدم عن طريق ملامسة الجلد لها مما تسبب أمراض سرطانية، وعلى المدى البعيد لن تكون هناك بيئة صحية فقد رأينا رأي العين كيف أن الأكياس البلاستيكية المتطايرة تتجمع حول الشجيرات حتى تدمرها وهو ما أكده نزار العريمي مدير إدارة البيئة بمحافظة شمال الباطنة في معرض حديثه عن مخاطر الأكياس البلاستيكية.
لن يكون هناك مجتمعا مستداما إلا بوجود اقتصاد مستدامًا، ولن يكون هناك اقتصادا مستداما إلا بوجود بيئة مستدامة؛ ولكي تكون بيئة مستدامة علينا أن نحافظ عليها من الآن؛ لأنّنا أن تأخرنا في المحافظة عليها سيكلفنا ذلك أثمانًا باهظةً في الغد، ولا يمكن ذلك إلا بشراكة أضلع التنمية المجتمع والقطاع الخاص والحكومة، مع التأكيد على توفير البدائل للأكياس البلاستيكية بسعر رمزي حتى لا يتأثر المستهلك، وزيادة برامج التوعية حبذا الاقتراب من الناس بالوسائل التي تصل إليهم سريعًا، مثل مواقع التواصل الاجتماعي، أو التوعية المباشرة وخاصة الجاليات غير الناطقة باللغة العربية، ولا نغفل دور قطاع التعليم والصحة لاحتكاكهم بالمجتمع من خلال فعاليات توعوية خارجة عن المألوف التقليدي مثل المحاضرات إلى ورش عمل وتجمعات ميدانية لتثقيف الجمهور، مع وجود تدرج واضح وصرامة في التطبيق فلا يحابا قطاع على قطاع، والعمل على مزيد من الدراسات الميدانية، ونشر نتائج قرار الحظر أولا بأول حتى يستقر في وعي الجمهور فوائد القرار، وتكون قناعة عدم استعمال الأكياس البلاستيكية نابعة من الجمهور نفسه.
في الأكثر سأنتهي من حيث بدأت (كثّر خير) من يحافظ على بيئة مستدامة، ومن الأكيد بأنّنا سندفع اليوم الكثير من الأموال، ولكنّنا سنكسب بيئة مستدامة.
أحمد البحري



