سالمة بنت هلال الراسبية – كاتبة وباحثة تربوية أولى – جنوب الشرقية
هناك لحظة يصل فيها الإنسان إلى سؤال واحد فقط؛ سؤال لا يحتاج إلى فلسفة ولا إلى تزيين، بل إلى صدق في مواجهته: لماذا لا تكافئ الحياة من يستحق؟
نمضي في الحياة ونحن نظن أن هناك ميزانًا واضحًا؛ أن من يتعب ينل نصيبه، ومن يصدق يُحترم، ومن يلتزم يصل، ومن يعمل بصمت يُنصف في النهاية. لكننا ندرك متأخرين أن الطريق لا يسير دائمًا كما تعلمناه.
نرى أناسًا يصلون إلى مواقع متقدمة لا لأنهم الأكثر كفاءة أو الأعمق أثرًا، بل لأنهم أتقنوا الظهور أكثر من البناء، وأجادوا صناعة الصورة أكثر من تطوير الذات. وفي المقابل، نرى من يبنون بصمت، ويعملون بإخلاص، ويؤمنون أن الجهد وحده كفيل بأن يُرى، لكنهم يظلون بعيدين عن دائرة الضوء، أو لا يُلتفت إليهم إلا حين يُطلب منهم سدّ نقص الآخرين.
وتزداد الحيرة حين نكتشف أن بعض الذين وصلوا لم يكن وصولهم نتيجة استحقاق خالص، بل نتيجة علاقات أو فرص استثنائية أو قدرة على تقديم صورة أكبر من حقيقتهم. وهنا يتسلل السؤال القاسي: هل هذه هي عدالة الحياة؟
ربما كانت المشكلة في تصوراتنا عن العدالة أكثر من الحياة نفسها. فقد تعلمنا أن هناك خطًا مستقيمًا بين الجهد والنتيجة، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. فليس هناك وعد بأن يُكافأ الصادق في وقته، أو أن يُقدَّر المجتهد فورًا. أحيانًا يُكافأ الصوت أكثر من المعنى، والحضور أكثر من الأثر، والقدرة على جذب الانتباه أكثر من القدرة على صناعة الفرق.
وتزداد الصورة تعقيدًا حين ندرك أننا نعيش داخل عالم تحكمه مصالح وصراعات وتوازنات لا علاقة لها دائمًا بالاستحقاق الفردي. فهناك من يجد نفسه في مكان لم يختره، وهناك من يُستبعد من مكان يستحقه، لا لقصور فيه، بل لأن الظروف سارت في اتجاه آخر.
عند هذه النقطة يبدأ الإنسان في محاسبة نفسه. يتساءل: هل كان ينبغي أن أكون أكثر جرأة؟ هل أخطأت حين ظننت أن الكفاءة تكفي؟ هل كان عليّ أن أرفع صوتي أكثر؟ لكن الحقيقة التي يصعب تقبلها هي أن هذا العالم لا يكافئ الأفضل دائمًا، ولا يمنح التقدير في وقته لكل من يستحقه.
والأكثر إيلامًا أن التقدير قد لا يأتي أصلًا.
فكم من أشخاص أمضوا أعمارهم وهم يعطون، ويبنون، ويصلحون، ويسندون غيرهم، ثم مرّوا بصمت. لا يُلتفت إليهم إلا بعد غيابهم، حين يبدأ الجميع في اكتشاف حجم أثرهم الحقيقي. وكأن قيمة الإنسان لا تُرى إلا حين يترك خلفه فراغًا لا يستطيع أحد ملأه.
وفي عالم يزدحم بالمظاهر والمنافسة السريعة والضجيج، تضيع أحيانًا أكثر الشخصيات قيمة. هناك أناس نادرون في صدقهم ووفائهم واتساقهم بين القول والفعل. وحين يكونون حاضرين يغيرون شكل المكان من حولهم، وينشرون الطمأنينة والطاقة الإيجابية دون أن يطلبوا شيئًا لأنفسهم.
لكن المؤلم أن هؤلاء غالبًا ما يُستهلكون أكثر مما يُقدَّرون. يُطلب منهم المزيد لأنهم لا يرفضون، ويُعتمد عليهم لأنهم لا يشتكون، ويُنتظر منهم التحمل لأنهم اعتادوا العطاء. وكأن طيبتهم أصبحت سببًا في تحميلهم ما لا يُحمَّل لغيرهم.
وفي النهاية، ربما لا تكون المأساة أن بعض الناس لم يُنصفوا في حياتهم، بل أن العالم لم ينتبه إليهم إلا بعد غيابهم. فكم من إنسان عبر هذه الحياة بصمت، يزرع الأثر، ويخفف الأعباء عن الآخرين، ويبني ما لا يُنسب إليه، ثم مضى دون أن يسمع كلمة تقدير واحدة.
وحين يغيب، يبدأ الجميع في اكتشاف ما كان يمثله لهم، فيدركون متأخرين أن بعض الأشخاص لا يُقاس حضورهم بضجيجهم، بل بالفراغ الذي يتركونه خلفهم.
وهكذا يبقى الذين تأخر العالم في فهمهم شاهدين على حقيقة مؤلمة؛ أن القيمة الحقيقية لا تفرض نفسها دائمًا على العيون المنشغلة بالمظاهر، وأن النوادر كثيرًا ما يمرون بهدوء، تاركين أثرًا أعمق من أن يُدرك في وقته.
ولعل أكثر أشكال النضج إنصافًا أن نتعلم تقدير الناس وهم بيننا، لا بعد أن يتحول حضورهم إلى ذكرى، وصوتهم إلى حنين، وأثرهم إلى درس متأخر لا يملك أحد أن يرده إلى أصحابه.
للحديث بقية تابعونا في الجزء القادم بمشيئة الله.


