دور الأسرة في رفع المناعة الرقمية للناشئة
سالمة بنت هلال الراسبية
تشير خلاصة مجموعة من الدراسات والأبحاث إلى أن قضية تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الوعي والتنشئة الاجتماعية، لا تختصر في سؤال: هل نسمح للمراهق باستخدام الهاتف أم نمنعه؟ إنما تتعلق بنمط الاستخدام، ونوعية المحتوى، والوقت الذي يستغرقه، والسياق الأسري والمدرسي الذي يحيط به. فالمنصة الواحدة قد تكون مجالًا للتعلم والتعبير والإبداع، وقد تتحول في ظروف أخرى إلى مصدر ضغط أو عزلة أو تشتت.
وفي دراسة حديثة لعدد من الباحثين تهدف إلى التعرف على أثر استخدامات موقع التواصل الاجتماعي “تيك توك” على القيم الأخلاقية لدى الشباب الجامعي. شملت 383 مراهقًا، أفاد 56.7% بأنهم يستخدمون وسائل التواصل دائمًا، في حين يقضي 40.2% منهم بين ثلاث وخمس ساعات يوميًا على هذه المنصات، بينما يتجاوز الاستخدام خمس ساعات لدى 35.5%. وتكشف هذه الأرقام أن الحضور الرقمي أصبح جزءًا من الإيقاع اليومي، بما يفرض على الأسرة والمدرسة فهم هذا الواقع.
كما وتشير إلى أن الاستخدام المكثف يبدأ بالترفيه أو الهروب من الملل، ثم يتوسع مع سهولة الوصول وتتابع المحتوى القصير. ويظهر الخطر حين يبدأ الاستخدام في مزاحمة النوم والواجبات الدراسية والعلاقات الواقعية. كما أن بعض المراهقين يطورون عالمًا رمزيًا خاصًا يشعرون أن الآخرين لا يفهمونه، وهو ما قد يعمق الفجوة بينهم وبين محيطهم إذا غاب الحوار الأسري الهادئ.
وعلى ضوء استطلاع رأي لعينة بسيطة مكونة من 28 من اليافعين أثناء تنفيذي لعدد من المحاضرات التوعوية؛ تبين أن 57.1% منهم يستخدمون وسائل التواصل بين ساعة وثلاث ساعات يوميًا، فيما اختار 67.9% تطبيقَي “تيك توك” أو “سناب شات” بوصفهما الأكثر استخدامًا. كما أفاد 92.9% بأن المحتوى يؤثر في طريقة تفكيرهم أو قناعاتهم، في حين وصف 67.9% درجة تأثيره بأنها متوسطة أو كبيرة.
ومع بداية العام الدراسي يبدأ تفعيل المنصات الرقمية كجانب إيجابي لا يمكن تجاهله؛ فهي تتيح للمراهق مذاكرة دروسه وحل الواجبات واكتساب الثقة، وتبادل الأفكار، والوصول إلى الدعم والمعلومات، غير أن التعرض لمحتوى ضاغط من وسائل التواصل الاجتماعي “سناب شات أو التيك توك وغيرها” قد يرتبط بالقلق والاكتئاب واضطراب النوم وتراجع التفاعل الواقعي.
إن التفاعل الافتراضي على الأجهزة الذكية قد يوسع شبكة العلاقات، لكنه قد يقلل الحوار المباشر مع الأسرة عندما يحل محل اللقاء والنقاش. وهنا تصبح الرقابة الواعية أكثر فاعلية من المنع المجرد؛ فالهدف مساعدة المراهق على فهم ما يستهلكه، ولماذا يستهلكه، وما الذي يتركه ذلك في نفسيته وسلوكه، مع مراقبته وتحديد إطار زمني لاستخدام المنصات التعليمية دون فتح منصات التواصل الاجتماعي لما لها من أثر في تشتيت ذهن الطالب أثناء يومه.
فقد أظهرت إحدى الدراسات الحديثة أن 76.2% من المراهقين يتفاعلون أساسًا مع الأصدقاء، مقابل 54.8% مع زملاء الدراسة. وقد يفسر ذلك بحث المراهق عن مساحة تواصل بعيدة نسبيًا عن سلطة الأسرة، خصوصًا عندما يشعر بأن الرفض أو المنع هو اللغة السائدة في البيت. ووفق النتائج الواردة، ذكر 72.7% من أفراد العينة رفض الوالدين للاستخدام سببًا للعزوف، وارتفعت النسبة لدى الإناث في الدراسة إلى 86.7%.
إن الرفض وحده لا ينتج علاقة أكثر أمانًا؛ فقد يقود إلى استخدام خفي وهشاشة في الثقة. أما الاستجابة الأسرية الفاعلة فتبدأ بحوار غير اتهامي، وقواعد واضحة للوقت، ومعرفة بالمحتوى والمؤثرين، ومراجعة جماعية لما يشاهده الأبناء. بهذه الطريقة تنتقل الأسرة من دور الحارس الذي يطارد المخالفة إلى دور الشريك الذي يساعد المراهق على اتخاذ قرار مسؤول.
وتأتي قوة المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي من التكرار والجاذبية والتفاعل والشعور بالقرب. فقد أفاد نحو نصف العينة في دراسة حديثة بوجود أثر سلبي واضح على القيم الأخلاقية. وتكمن المشكلة في تراكم النماذج السيئة منهم والتي تعيد تعريف النجاح والجمال والسلوك والانتماء، حتى يصبح ما يتكرر أمام العين مألوفًا ومقبولًا، ولو كان متناقضًا مع قيم الأسرة والمجتمع.
والمدرسة مطالبة بإدماج التربية الرقمية والتفكير النقدي ومهارات التحقق، وتوظيف المنصات في التعلم بدلًا من الاكتفاء بالتحذير منها. أما الإعلام وصناع المحتوى، فعليهم تشجيع المحتوى المحلي الإيجابي وإبراز نماذج مسؤولة، فيما ينبغي للمؤسسات توفير الإرشاد النفسي والاجتماعي، وبناء شراكات بين الأسرة والمدرسة، وإجراء دراسات طولية تقيس أثر الاستخدام مع مرور الزمن.
المطلوب ليس إلغاء البيئة الرقمية، فهذا غير واقعي ولا مفيد، وإنما بناء «مناعة رقمية» تجعل المراهق قادرًا على الاختيار والتحقق والموازنة، وواعيًا بما يهدد قيمه وعلاقاته وتعلمه. فكلما ضعفت الشراكة بين الأسرة والمدرسة، زادت فرصة أن تصبح النماذج الرقمية مرجعية بديلة؛ وكلما حضر الحوار والثقة والتوجيه، أمكن تحويل المنصات من مصدر قلق إلى مساحة للتعلم والتعبير والإبداع.



