التقاعد ليس نهاية الطريق بل بداية فصل جديد من الحياة (13)
_الصداقة بعد التقاعد… علاقات تتجدد حين يتغير إيقاع الحياة_
علي بن مبارك اليعربي
قد يكتشف الإنسان بعد التقاعد أن أكثر ما تغير في حياته ليس عدد ساعات اليوم، ولا طبيعة المسؤوليات، وإنما شكل العلاقات التي اعتاد أن يعيش بينها. فسنوات العمل كانت تضعه بصورة تلقائية وسط دائرة من الزملاء والمعارف، تجمعهم المكاتب والمهمات والاجتماعات والمواقف اليومية، ثم يأتي التقاعد ليغير هذا المشهد بهدوء، ويترك للإنسان فرصة ليرى أي العلاقات كانت مرتبطة بالوظيفة، وأيها كان قائمًا على المودة الحقيقية.
وهنا تبرز الصداقة بوصفها واحدة من أكثر القضايا التي تستحق الانتباه في مرحلة ما بعد التقاعد.
فبعض الناس يدخلون التقاعد وهم يظنون أن انتهاء العمل يعني انتهاء كثير من العلاقات، فيشعرون في البداية بشيء من الوحدة، خصوصًا عندما تختفي اللقاءات اليومية التي كانت تجمعهم بزملائهم. وقد يمر يوم كامل دون أن يلتقوا بأحد ممن اعتادوا رؤيتهم باستمرار. لكن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكون في قلة الأصدقاء، وإنما في أن الإنسان لم يعطِ نفسه فرصة لإعادة اكتشاف علاقاته بعيدًا عن إطار الوظيفة.
فالصديق الحقيقي لا تصنعه بطاقة وظيفية، ولا يحافظ عليه مكتب واحد، ولا تنتهي علاقته بانتهاء الدوام. وإذا كانت بعض العلاقات قد تراجعت بعد التقاعد، فربما كان ذلك كاشفًا لطبيعتها أكثر مما كان خسارة لها.
التقاعد يمنح الإنسان فرصة لإعادة ترتيب دائرة علاقاته على أساس مختلف؛ أساسه القرب النفسي، والاهتمام المشترك، والاحترام المتبادل، والقدرة على أن يجد الإنسان في الآخر رفيقًا للحياة لا مجرد زميل في العمل.
ولعل أجمل ما في هذه المرحلة أن الوقت الذي كان موزعًا بين متطلبات الوظيفة يصبح أكثر مرونة، ويمكن للمتقاعد أن يخصص جزءًا منه لمن يحب، وأن يستعيد علاقات قد تكون أخذت منها مشاغل الحياة أكثر مما تستحق.
كم من صديق قديم انقطعت أخباره بسبب انشغالات العمل والأسرة؟ وكم من علاقة جميلة بقيت معلقة عند حدود السلام والسؤال السريع؟ ربما يكون التقاعد هو اللحظة المناسبة للاتصال من جديد، وللقاء الذي تأجل سنوات، ولجلسة طويلة لا يقطعها موعد عمل أو اجتماع ينتظر صاحبه.
لكن إعادة بناء العلاقات لا تعني العودة إلى الماضي بكل تفاصيله. فالناس تتغير، والظروف تتغير، وما يجمع الأصدقاء في مرحلة من العمر قد لا يكون هو نفسه ما يجمعهم في مرحلة أخرى. ولذلك تحتاج الصداقة بعد التقاعد إلى مساحة من المرونة؛ أن نتقبل اختلاف الاهتمامات، واختلاف الآراء، وتغير الأولويات، وأن ندرك أن استمرار العلاقة لا يعني بالضرورة أن نكون متشابهين في كل شيء.
وقد تكون أجمل الصداقات في هذه المرحلة تلك التي لا تحتاج إلى كثير من التكلف. لقاء بسيط، حديث صادق، نزهة قصيرة، ممارسة هواية مشتركة، قراءة كتاب، أو حتى اتصال للاطمئنان؛ كلها أشياء تبدو صغيرة، لكنها تمنح الحياة معنى مختلفًا، وتقاوم ذلك الشعور الذي قد يتسلل إلى الإنسان عندما تتسع مساحة الوقت من حوله.
والأهم من ذلك أن المتقاعد لا ينبغي أن ينتظر الآخرين دائمًا حتى يبادروا إليه. العلاقات الإنسانية تحتاج إلى مبادرة، والمبادرة ليست انتقاصًا من مكانة الإنسان، بل تعبير عن تقديره لمن حوله. رسالة قصيرة إلى صديق قديم، سؤال عن زميل سابق، دعوة إلى لقاء، أو مشاركة في مناسبة اجتماعية، قد تكون كافية لإعادة علاقة ظن الطرفان أنها انتهت.
وفي المقابل، من المهم أن يدرك الإنسان أن التقاعد ليس مرحلة للعيش داخل دائرة ضيقة من العلاقات القديمة فقط. إنها أيضًا فرصة لتكوين صداقات جديدة.
فحين يشارك المتقاعد في نشاط ثقافي أو تطوعي أو رياضي أو اجتماعي، أو يتعلم مهارة جديدة، فإنه يلتقي بأشخاص لم يكن ليلتقي بهم في سنوات عمله. وقد يجد بينهم من يشاركه اهتمامًا أو فكرة أو مشروعًا، فتولد علاقة جديدة لا علاقة لها بالماضي الوظيفي.
وهذا جانب مهم من جوانب التقاعد؛ أن يخرج الإنسان من فكرة أن حياته الاجتماعية انتهت بخروجه من المؤسسة التي كان يعمل فيها. فالمجتمع أوسع من مكان العمل، والحياة مليئة بمساحات يمكن أن تنشأ فيها علاقات جديدة، وربما أكثر عمقًا من بعض العلاقات التي فرضتها ظروف الوظيفة.
غير أن الصداقة في هذه المرحلة تحتاج أيضًا إلى وعي بالحدود. فليس مطلوبًا من الإنسان أن يحافظ على كل علاقة مهما كانت طبيعتها، ولا أن يبقى أسيرًا لعلاقات تستنزف طاقته أو تعكر صفو حياته. التقاعد فرصة للهدوء، ومن حق الإنسان أن يختار من يضيف إلى حياته معنى وطمأنينة، وأن يبتعد عن العلاقات التي تقوم على السلبية أو كثرة الشكوى أو استنزاف الوقت دون فائدة.
فالوقت بعد التقاعد أصبح أكثر قيمة، ليس لأنه أصبح محدودًا، وإنما لأن الإنسان أصبح أكثر وعيًا بكيفية إنفاقه.
ومن اللافت أن بعض أجمل الصداقات قد تولد في هذه المرحلة بين أشخاص لم تجمعهم الوظيفة من قبل. فالاهتمام بالقراءة، أو السفر، أو الرياضة، أو العمل التطوعي، أو الثقافة، أو خدمة المجتمع، يمكن أن يكون جسرًا يربط بين أشخاص مختلفين في العمر والخبرة والمهنة.
وهنا يتحول التقاعد من مرحلة قد يشعر فيها الإنسان بأنه فقد موقعه الاجتماعي، إلى مرحلة يعيد فيها بناء موقعه الاجتماعي بإرادته واختياراته.
كما أن الصداقة لا ينبغي أن تكون مجرد وسيلة لقتل وقت الفراغ. هذه النظرة تقلل من قيمتها. الصديق الحقيقي قد يكون مساحة للحوار، وشريكًا في فكرة، وسندًا في موقف، ومرآة يرى الإنسان من خلالها نفسه بصورة أكثر وضوحًا. وقد يكون أحيانًا الشخص الذي يقول لنا ما لا نريد سماعه، لكننا نحتاج إلى سماعه.
ولذلك فإن جودة العلاقات أهم من كثرتها. قد يحيط بالإنسان عشرات المعارف، لكنه يحتاج في النهاية إلى عدد قليل من الأشخاص الذين يستطيع أن يتحدث معهم دون أقنعة، وأن يختلف معهم دون خصومة، وأن يلتقي بهم دون أن يشعر بأنه مطالب بإثبات شيء.
وربما يكون هذا أحد الدروس التي تمنحها مرحلة التقاعد للإنسان: أن العلاقات ليست عددًا، وإنما قيمة.
فبعد سنوات طويلة من العمل والانشغال، يصبح الإنسان أكثر قدرة على معرفة من يستحق وقته، ومن يستحق حضوره، ومن تستحق العلاقة معه أن تُبذل من أجلها المبادرة والاهتمام.
ومن الجميل كذلك ألا يحصر المتقاعد صداقاته في أبناء جيله فقط. فالتواصل مع الأجيال الأصغر يفتح أبوابًا جديدة للفهم والتعلم، ويمنح الطرفين فرصة لتبادل الخبرات. فالكبير يحمل تجربة الحياة، والشاب يحمل حيوية الحاضر وأدواته الجديدة، وبين التجربة والحيوية يمكن أن تنشأ علاقة إنسانية غنية للطرفين.
وهكذا لا يصبح التقاعد انسحابًا من المجتمع، بل انتقالًا إلى مساحة أوسع لاختيار العلاقات التي يريد الإنسان أن يعيشها ويمنحها من وقته.
وفي نهاية الأمر، قد لا تكون أجمل هدية يمنحها التقاعد للإنسان مزيدًا من الوقت فقط، وإنما فرصة لاكتشاف قيمة الأشخاص الذين ساروا معه في الطريق، والاقتراب ممن يستحقون القرب، وفتح أبواب جديدة لمن يمكن أن يضيفوا إلى ما تبقى من الرحلة معنى وفرحًا.
فالصديق الحقيقي لا يرتبط بكرسي الوظيفة، ولا ينتهي بختم آخر يوم عمل؛ بل تبقى العلاقة ما بقيت المودة، والصدق، والاهتمام.
التقاعد قد يغير إيقاع الحياة، لكنه لا ينبغي أن يغير حاجتنا إلى الإنسان؛ فبعض العلاقات تبدأ في الوظيفة، وبعضها يبدأ بعدها، أما الصداقة الصادقة فلا تعرف سنًا للتقاعد.


