مقالات صحفية

القراءة ما بين السطور

 علي بن حسين البلوشي

عندما تكتب الكلمات بلغة القلب

وعندما يكتب العقل تكون الكلمة أجمل .. لأنه يزنها قبل أن يضعها على الورق ، ويختار لها مكانها بعناية ، فلا يترك مجالًا للاندفاع أو التسرع .

وعندما يكتب القلب تكون الكلمة أصدق .. لأنها تخرج من أعماق الشعور وتحمل معها ما عجز اللسان عن قوله ، وما أخفاه الإنسان خلف صمته طويلًا .

وعندما يكتب الضمير تكون الكلمة أعمق .. لأنها لا تبحث عن إعجاب الآخرين ، ولا تنتظر تصفيقًا أو مديحًا وإنما تبحث عن الحقيقة التي يشعر بها الإنسان في داخله .

لكن هناك فرق كبير بين من يقرأ بعقله ، ومن يقرأ بقلبه، ومن يقرأ بإحساسه .

قد يقرأ شخصٌ كلماتك بعقله فيفهم معناها ، ويعرف مقصدها ويستطيع أن يشرحها لغيره ، لكنه قد لا يشعر بما وراءها .

وقد يقرأها آخر بقلبه فيتوقف عند كلمة أو يتأثر بجملة ، أو يجد نفسه داخل السطور وكأن الكلمات كُتبت عنه ولأجله .

وهناك من يقرأ بعينٍ مختلفة تمامًا .. يقرأ ما بين السطور ، ويلتقط ما لم تقله الكلمات ويفهم الصمت الذي اختبأ خلف الحروف .

فليس كل من قرأك فهمك ، وليس كل من فهم كلماتك شعر بك .

كم من كلمة كتبناها ونحن نظن أنها واضحة ، ثم اكتشفنا أن أقرب الناس إلينا لم يفهموا منها شيئًا مما كنا نشعر به .

وكم من شخص بعيد قرأ كلماتنا ، ثم قال :

كأنك تتحدث عما في داخلي .

وهنا ندرك أن فهم الكلمات لا يعتمد دائمًا على جمالها ، بل على تشابه المشاعر بين الكاتب والقارئ .

قد يكتب الإنسان عن الحزن فيراه أحدهم مجرد حزن عابر ، بينما يراه آخر قصة عمر كاملة .

وقد يكتب عن الفقد فيمر عليه شخص مرورًا عابرًا ، بينما يتوقف عنده من ذاق الفقد ، وكأن الجملة أعادت إليه شيئًا من ذاكرته .

وقد تكتب عن الوفاء، فلا يدرك معناها إلا من عرف قيمة من وقف معه في أصعب أيامه .

وقد تكتب عن الخذلان، فلا يشعر بمرارتها إلا من ابتسم أمام الناس ، بينما كان في داخله شيء ينكسر .

لذلك يقول الإنسان أحيانًا لن يفهمني أحد

وليس لأنه عاجز عن التعبير ، وإنما لأن ما بداخله أكبر من أن تحمله الكلمات ، ولأن بعض الأحاسيس لا تُشرح بل تُعاش .

فالكلمة قد تكون بسيطة في ظاهرها ، لكنها تحمل خلفها سنوات من التجارب والذكريات والمواقف .

 وقد تكون جملة قصيرة لكنها كُتبت بعد ألم طويل ، أو بعد صمت امتد سنوات .

العقل يفهم المعنى والقلب يشعر به ، أما الإحساس فيلتقط ما وراء المعنى .

ولهذا حين تقرأ كلام شخصٍ ما ، لا تتعجل في الحكم عليه ، حاول أن تسأل نفسك ما الذي دفعه إلى كتابة هذه الكلمات ؟

 وما الذي مرّ به حتى وصل إلى هذه النتيجة ؟

ربما لم يكن يريد أن يشرح نفسه ، بل كان يريد فقط أن يجد شخصًا يفهمه دون أن يضطر إلى الكلام .

أجمل القراءات ليست تلك التي نقرأ فيها الحروف فقط ، وإنما تلك التي نشعر فيها بالإنسان الذي يقف خلفها .

هناك أشخاص لا يحتاجون منك إلى نصيحة ، ولا إلى حلول ولا حتى إلى كلمات كثيرة .. كل ما يحتاجونه أن يشعروا بأن هناك من فهم ألمهم ، وقرأ ما بين سطورهم ، ولم يستهِن بما يشعرون

فإذا كتبت بعقلك ، فاجعل كلماتك حكيمة .

وإذا كتبت بقلبك ، فاجعلها صادقة .

وإذا كتبت بضميرك ، فاجعلها نابعة من الحقيقة .

ثم اتركها تصل إلى من يستطيع أن يقرأها بإحساسه.

لأن أجمل الكلمات ليست التي تُقرأ بالعين ، ولا حتى التي تُفهم بالعقل ، وإنما تلك التي تصل إلى القلب دون استئذان .

وفي النهاية هناك من يقرأ ما كتبته بعقله ، وهناك من يقرأه بقلبه ، وهناك من يقرأه بإحساسه .. لكن أجملهم ذلك الذي يقرأك أنت لا كلماتك فقط .

فبعض الناس يقرأون الحروف ، وبعضهم يقرأون المعاني ، والقليل جدًا يقرأون الأرواح

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights