لا تخشَ الحكايات
صالح بن سعيد الحمداني
من أكثر الأمور إيلامًا في حياة الإنسان أن يأتيه الأذى من شخصٍ لم يمنحه يومًا سببًا واضحًا للخوف أو الحذر، شخصٌ ربما عامله باحترام وفتح له مساحة من الثقة، ولم يتوقع منه يومًا أن يتحول إلى مصدر للكلام الجارح أو الحكايات التي تُروى في غيابه، وقد يكون الأمر أشد وقعًا حين يكتشف الإنسان أن من أساء إليه لم يكن يملك الشجاعة الكافية لمواجهته، فاختار الطريق الأسهل بالنسبة إليه؛ الغياب، والكلام من خلف الظهر، وصناعة رواية تخدم صورته أمام الآخرين، وهناك أشخاص يجدون المواجهة أمرًا ثقيلًا عليهم ويعجزون عن الوقوف أمام الشخص الذي يختلفون معه، ويخافون من قول الحقيقة وجهًا لوجه، فيبحثون عن مكان يشعرون فيه بالأمان، ثم يبدأون في الحديث من بعيد، وفي هذا المكان قد تتحول الحقيقة إلى قصة، والقصة إلى رواية، والرواية إلى مجموعة من التفاصيل التي لم تحدث أصلًا، ومع تكرار الحديث يبدأ صاحبها في التعامل معها وكأنها حقيقة ثابتة، متناسيًا أن تغيير صياغة الأحداث لا يغيّر ما حدث فعلًا.
قد يأتيك يوم وتسمع أن شخصًا تحدث عنك في غيابك أو نقل عنك كلامًا لم تقله، أو قدّم للآخرين صورة عنك لا تمت إلى حقيقتك بصلة، في اللحظة الأولى قد تشعر بالغضب، وربما تسأل نفسك لماذا فعل ذلك؟ ماذا فعلت له حتى يتحدث عني بهذه الطريقة؟ وقد تبحث عن تفسير مقنع لما حدث، خصوصًا إذا كنت قد عاملته يومًا بحسن نية، وإن بعض التصرفات لا ترتبط بما فعلته أنت بقدر ارتباطها بما يحمله الطرف الآخر في داخله، فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تشويه الآخرين حتى يشعر بقيمته، ومن يمتلك الشجاعة الكافية للاعتراض، يعرف كيف يذهب إلى الشخص المعني، ويقول له ما لديه بوضوح، ويمنحه فرصة للرد والتوضيح، أما الكلام الذي يُقال في الخفاء، فقد يكشف عن خوف صاحبه أكثر مما يكشف عن قوة موقفه، فالمواجهة تحتاج إلى حضور وشجاعة وتحمل لنتائج الكلام، بينما الحديث في الغياب يمنح صاحبه شعورًا مؤقتًا بالأمان، لأنه لا يرى أمامه الشخص الذي يتحدث عنه ولا يسمع منه الرد.
لهذا السبب عندما تعرف أن هناك من يتحدث عنك من خلف ظهرك لا تسمح لتلك الحكايات بأن تغيّر نظرتك إلى نفسك، أنت أكثر شخص يعرف حقيقتك، تعرف مواقفك، وتعرف نواياك، وتعرف ما قلته وما لم تقله، وتعرف الأشخاص الذين وقفت إلى جانبهم حين احتاجوا إليك، لذلك لا تجعل رواية ينسجها شخص آخر تهدم سنوات من معرفتك بنفسك، ولا يحتاج الإنسان إلى أن يعيش في حالة دفاع دائم عن نفسه هناك فرق كبير بين توضيح الحقيقة عندما يكون الأمر ضروريًا، وبين الركض خلف كل كلمة يسمعها ومحاولة الرد على كل حديث، أحيانًا يصبح الإنسان أسيرًا لما يُقال عنه حين يقرر أن يمنح كل إشاعة جزءًا من وقته وطاقته،وكلما حاول أن يرد على قصة، ظهرت قصة أخرى، فيجد نفسه داخل دائرة لا تنتهي.
الحقيقة بطبيعتها أكثر هدوءًا من الكذب لا تحتاج إلى ضجيج كبير حتى تثبت وجودها، ولا تحتاج إلى حملة مستمرة حتى تقنع الناس بها، يكفي أن تبقى ثابتة في الواقع، ثم يأتي الوقت ليكشف الفارق بينها وبين الكلام الذي قيل عنها فالناس قد تصغي في البداية إلى رواية مؤثرة، وقد تتأثر بتفاصيل كثيرة تُقدم بطريقة مقنعة، غير أن الإنسان مع مرور الأيام يبدأ في مقارنة ما سمعه بما يراه، وقد ينجح الكذب أحيانًا في جذب الانتباه لفترة قصيرة وقد يجد من يصدقه، خصوصًا عندما يكون صاحبه بارعًا في اختيار الكلمات وإضافة التفاصيل وإظهار نفسه في صورة الضحية أو الشخص الذي تعرض للظلم، لكن كثرة التفاصيل لا تمنح القصة صدقًا، وتكرار الكلام لا يحوّل الادعاء إلى حقيقة، ومع مرور الوقت تظهر التناقضات، وتبدأ بعض الأجزاء في التصادم مع بعضها، ويصبح الحفاظ على الرواية الأولى أكثر صعوبة.
الكذب يحتاج باستمرار إلى شيء يحميه، يحتاج إلى تفسير جديد عندما تظهر معلومة مختلفة، وإلى قصة إضافية عندما يطرح أحدهم سؤالًا، وإلى تبرير آخر عندما تتغير الظروف، وهكذا تتسع الدائرة حتى يجد صاحب الرواية نفسه مضطرًا إلى تذكر ما قاله لكل شخص، وكيف قاله، ومتى قاله، أما الحقيقة فهي لا تحتاج إلى كل ذلك، تظل كما هي، حتى لو مر عليها وقت طويل، وإذا اكتشفت أن شخصًا يتحدث عنك من خلفك فلا تسارع إلى التعامل معه بالطريقة نفسها لا تجعل الغضب يقودك، ولا تسمح للاستفزاز بأن يخرج منك كلام قد تندم عليه لاحقًا، حافظ على هدوئك، لأن بعض الناس قد يبحثون أصلًا عن رد فعل منك حتى يستخدموه دليلًا جديدًا داخل روايتهم، وكلما فقدت أعصابك، منحتهم مادة جديدة للكلام.
أحيانًا يكون أقوى رد على الإساءة هو الاستمرار في حياتك بطريقة طبيعية اجعل أفعالك تتحدث عنك، ودع أخلاقك تظهر في تعاملك مع الآخرين، الناس قد تستمع إلى الكلام، لكنها مع الوقت تراقب السلوك، والشخص الذي يكرر مواقفه الصادقة، ويحافظ على احترامه للآخرين، ويتعامل معهم بثبات، يصعب أن تهدم صورته رواية عابرة، فسمعتك الحقيقية لا تُبنى في يوم واحد ولذلك من الصعب أن تهدمها جملة واحدة، والإنسان الذي عرفك سنوات، وشاهد مواقفك، ورأى طريقة تعاملك في أوقات الفرح والضغط والخلاف، لن يغيّر حكمه عليك بسهولة بسبب حديث سمعه من شخص آخر، قد يتساءل وقد يستمع، وقد ينتظر ليرى الحقيقة بنفسه، وهذا أمر طبيعي فلا تجعل قلقك من كلام الآخرين يدفعك إلى إثبات نفسك طوال الوقت.
وإذا اختار شخص أن يشوه صورتك لأنه عجز عن مواجهتك فتذكر أن هذه مسؤولية تخصه هو، أنت مسؤول عن أفعالك وعن كلماتك، وعن الطريقة التي تتعامل بها مع الناس، أما ما يختاره الآخرون من روايات وما يضيفونه من تفاصيل، وما يريدون أن يصدقه الناس، فهو أمر يقع خارج حدود سيطرتك، وامضِ في طريقك بثقة، وكن واضحًا مع نفسك قبل أن تكون واضحًا مع الآخرين، وعامل الناس بما يشبه أخلاقك، لا بما يفرضه عليك غضب اللحظة، لا تطارد كل إشاعة، ولا تدخل في معركة مع كل كلمة، ولا تجعل حياتك متوقفة على رأي شخص قرر أن يسمع جانبًا واحدًا من القصة.
ومن يعرفك حقًا سيعرفك من أفعالك قبل كلماتك، ومن اختار تصديق رواية واحدة دون أن يبحث عن الحقيقة، قد يكتشف مع الوقت أن الواقع مختلف تمامًا عما سمعه، والإنسان لا يستطيع أن يخفي حقيقته إلى الأبد، كما لا يستطيع أن يعيش طويلًا بصورة لا تشبهه، المواقف اليومية تكشف الطباع، والوقت يكشف النوايا، والتعامل المتكرر يكشف ما قد تخفيه الكلمات، قد تتأخر الحقيقة أحيانًا وقد تمر فترة تشعر فيها أن الكذب سبقها بمسافة طويلة، وربما ترى شخصًا ينجح في جذب التعاطف، بينما تجد نفسك صامتًا لأنك لا تريد الدخول في جدال طويل، لا تنزعج من ذلك فليس كل انتصار سريع انتصارًا حقيقيًا، وليس كل صمت علامة على الضعف، أحيانًا يكون الصمت اختيارًا واعيًا لحماية كرامتك وراحة بالك.
لا تخف من حكاية تُروى خلف ظهرك، ولا تجعل شخصًا آخر يحدد لك كيف ترى نفسك حافظ على نقاء قلبك قدر استطاعتك، وحافظ على هدوئك، وثق بما تعرفه عن نفسك، إذا أخطأت يومًا امتلك شجاعة الاعتراف والتصحيح، وإذا كنت واثقًا من موقفك، فلا تسمح للضجيج أن يجعلك تشك في حقيقتك؛ ودع الأيام تقوم بما لا تستطيع الكلمات أن تقوم به فهي تكشف التناقضات، وتوضح المواقف، وتضع كل شخص أمام حقيقة أفعاله، ومع مرور الوقت يتعلم الناس أن يفرقوا بين من يتحدث كثيرًا ومن يثبت نفسه بالفعل، وبين من يصنع صورة لنفسه بالكلام ومن يترك مواقفه تتحدث عنه.
ومهم جدًا أن تذكر أن راحتك الداخلية أثمن من الدخول في معارك لا تنتهي فلا تجعل حياتك رهينة لما يُقال في المجالس أو الرسائل أو الأحاديث الجانبية، سر في طريقك بثبات، وكن صادقًا مع نفسك، واحترم مبادئك، واترك لكل إنسان مسؤولية ما يقوله ويفعله.
وعندما تسمع أن هناك من تحدث عنك في غيابك، خذ نفسًا هادئًا، وانظر إلى الصورة الأكبر، لا تسأل فقط ماذا قال عني؟ اسأل أيضًا هل ما قاله يشبه ما يعرفه الناس عني من خلال مواقفي؟ وهل أفعالي خلال السنوات الماضية تتفق مع هذه الرواية؟ إذا كانت الإجابة واضحة أمامك، فلا حاجة لأن تهدم هدوءك من أجل حديث عابر، واصل السير حافظ على أخلاقك، واحفظ قلبك من الحقد، ولا تسمح لمن أساء إليك أن يحولك إلى نسخة تشبهه، يكفي أن تكون أنت، وأن تعيش بطريقة تجعلك قادرًا على النظر إلى نفسك باحترام، فالأيام كفيلة بإظهار الفارق بين الحقيقة والادعاء، وبين الإنسان الذي يعيش بصدق، ومن يكتفي بصناعة الحكايات عنه وعن الآخرين.
الحقيقة تعرف طريقها إلى الظهور، حتى لو تأخر وصولها وإن تأخرت في الظهور ستظهر وستكون قادرة على البقاء، أما الكذب مهما بدا متماسكًا في بدايته، يحتاج دائمًا إلى رواية جديدة تحمي الرواية السابقة، وإلى تفسير جديد يغطي التناقض الذي ظهر فيها ومن هنا يبدأ ضعفه، وما عليك إلا أن تواصل حياتك بثبات وهدوء، لأن الإنسان حين يكون صادقًا مع نفسه، لا يحتاج إلى الركض خلف كل صوت يردد عنه شيئًا يكفي أن يترك أثره في المواقف، وأن يواصل طريقه بكرامة، ثم يترك للوقت أن يقول كلمته.



