مقالات صحفية

قلعة صحار

  أحمد بن علي المقبالي

لم تكن مدينة صحار في التاريخ العُماني بحدوده الإقليمية مجرد ميناء بحري عابر ، بل كانت نافذةً مشرعةً على الشرق ومحيطات العالم ومركزاً للتجارة الدولية التي تغنت بجمالها وعظمتها الكتب القديمة فوصفها المؤرخون بأنها “دهليز الصين” وعاصمة عُمان الكبرى.

وفي قلب هذا النشاط التجاري والجغرافي الحيوي كان لا بد من وجود حصنٍ منيع يحمي المدينة من الغزاة والطامعين ، ومن هنا ولدت فكرة إنشاء “حصن صحار” ليكون شاهد عيانٍ على التحولات السياسية والصراعات الملاحية والتدخلات الخارجية التي عصفت بالمنطقة.

ويكتسب حصن صحار هويته الخاصة من تدرج بنائه المعقد الذي ارتبط بحركة القوى الإقليمية والدولية حيث يمثل عهد الملوك الهرمزيين حجر الأساس في ولادة هذا الحصن بهيئته الحصينة واختيار موقعه المتميز قبل أن تتلاقى فوق جدرانه الأنماط المعمارية البرتغالية والعُمانية في فترات زمنية لاحقة.

وتشير التحقيقات التاريخية والأثرية الدقيقة إلى أن النواة الأولى لبناء الحصن تعود إلى نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر الميلادي (الموافق أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن الهجري) ، وذلك بأمر من الأمير الهرمزي بهاء الدين أياز خلال فترة حكمه التي امتدت ما بين عام ( 1291م – 1311م ) وذلك في عهد ملوك بنو نبهان في عُمان حيث فرضت مملكة هرمز نفوذها آنذاك على موانئ الخليج العربي وبحر عُمان.

لقد كان الغرض الأساسي من تشييد الحصن هو إقامة مركز دفاعي وإداري يحمي تجارة الهرمزيين ويؤمن خطوط قوافلهم المتجهة إلى المناطق الداخلية من عُمان ، بالإضافة إلى التصدي العسكري لأي قوى تهدد أمن المنطقة سواء أكان هذا التهديد داخلياً أم خارجياً.

ونظراً لهذه المهام الجسيمة التي أُنيطت بالحصن فقد شُيّد بأحدث تقنيات البناء المتوفرة في تلك الحقبة حيث مُزج في بنائه بين الحجارة المرجانية والآجر المحروق لضمان مقاومة الرطوبة البحرية العالية والملوحة ، كما دُعّم بأبراج دائرية تتيح للحامية العسكرية مراقبةً تامةً لسواحل المدينة والمناطق المحيطة بها.

وفي مطلع القرن السادس عشر الميلادي (القرن العاشر الهجري) أدخلت تعديلات جوهرية على بناء القلعة وصيانتها إثر وصول الغزو البرتغالي بقيادة أفونسو دي ألبوكيرك سنة 913هـ الموافق عام 1507م إذ أدرك البرتغاليون الأهمية الاستراتيجية للقلعة من النواحي السياسية والعسكرية الاقتصادية فاتخذوها قاعدةً لهم لتغدو واحدة من أهم مراكزهم على الساحل العُماني بعد مسقط.

وقد استحدث البرتغاليون تعديلات هندسية متطورة تتوافق مع عصر المدافع الثقيلة فأضافوا الأسوار الخارجية السميكة المبنية من الحجر الصلب كما استبدلوا الأبراج الدائرية بأبراج مربعة ذات زوايا حادة لتقليل تأثير الضربات المدفعية المباشرة ، كما حفروا الآبار العميقة داخل فناء القلعة لتأمين احتياجات الحامية من المياه في فترات الحصار الطويلة.

إن هذا الامتزاج بين العهدين الهرمزي والبرتغالي في تحصينات الحصن تحولة على اثرها الى قلعه عملاقة منحها متانةً وقوةً استثنائية مكنتها من الصمود في وجه الكثير من الهجمات الشرسة قبل أن يضيف إليها العُمانيون لاحقاً تحصينات ومرافق أخرى سوف نأتي على ذكرها بشيء من التفصيل في المقال القادم بإذن الله.

المصادر:

– تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (رحلة ابن بطوطة) – لابن بطوطة.

– دراسات في تاريخ الملاحة وحواضر الخليج وبحر عمان – الدكتور السيد عبدالعزيز سالم.

– صحار عبر التاريخ – الدكتور سلطان بن مبارك الشيباني.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights