مقالات صحفية

استراتيجيات التعلم النشط في ضوء القرآن الكريم والهدي النبوي

د. أحمد محمد الشربيني

الجزء الأول: استراتيجيات بناء الفكر وإثارة العقل

الحمد لله جزيل النعم ذي الجود والكرم، والصلاة والسلام على النبي الأكرم سيدنا محمد ﷺ الذي علّم بالقدوة والحوار فألف بين المهاجرين والأنصار، وعلى آله وصحبه الأطهار. وبعد،

ففي خضم التطورات التربوية المتسارعة، برز عزيزي القارئ مفهوم “التعلم النشط” كأحد أهم المناهج التي تضع المتعلم في قلب العملية التعليمية، وتجعله مشاركاً فاعلاً في بناء معارفه. وبينما يظن البعض أن هذا المفهوم وليد النظريات الحديثة، فإن المتأمل في القرآن الكريم والهدي النبوي يجد أن الذكر الحكيم سبق التربويين المعاصرين بقرون في تطبيق أرقى أساليب التعلم النشط. قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14)، وقال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا» (رواه ابن ماجه).

وإليكم بعض تلك الاستراتيجيات:

أولاً: استراتيجية العصف الذهني وطرح الأسئلة

أ- التأصيل القرآني: دعا القرآن إلى التفكير والتأمل فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24)، وقال: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (آل عمران: 191). فجاءت هذه الآيات لتؤسس لمنهج قائم على التأمل، وهو جوهر التعلم النشط.

ب- التطبيق النبوي: كان النبي ﷺ يطرح الأسئلة ويترك الصحابة يفكرون، ثم يصحح المفاهيم. ومن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما: قال النبي ﷺ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ»، فظننت أنه يعني النخلة، فسكتُّ، فقال ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ» (رواه البخاري). وحديث أبي هريرة: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قالوا: “المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع”، فقال: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا…» (رواه مسلم).

ثانياً: استراتيجية ضرب الأمثال

أ- التأصيل القرآني: القرآن حافل بالأمثال التي تقرب المعاني البعيدة بصور محسوسة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ…﴾ (النور: 35).

ب- التطبيق النبوي: استخدم النبي ﷺ الأمثال الحسية لتوضيح المعاني المجردة، مثال ذلك ما رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، أنَّ النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً». وقال ﷺ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قالوا: لا، قال: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» (رواه البخاري ومسلم).

ثالثاً: استراتيجية الخرائط الذهنية والرسوم التوضيحية

أ- التأصيل القرآني: حث القرآن على النظر والتأمل البصري، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت: 20).

ب- التطبيق النبوي: اعتمد النبي ﷺ على الرسومات التوضيحية لتأكيد المعلومة بصرياً. ومن ذلك حديث ابن مسعود: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطًّا فِي الْوَسَطِ، وَخُطُوطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الْخَطِّ فِي الْوَسَطِ، فَقَالَ: هَذَا الْإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، وَهَذِهِ الْأَعْرَاضُ تُخْطِفُهُ…» (رواه البخاري). وحديث عبد الله: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا، ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَقَالَ: هَذِهِ السُّبُلُ…» (رواه أحمد).

رابعاً: استراتيجية التعلم بالممارسة والتطبيق العملي

أ- التأصيل القرآني: التعلم بالعمل أثبت أنواع التعلم، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ (الأنبياء: 80).

ب- التطبيق النبوي: كان ﷺ يعلّم أصحابه بالممارسة لا بالكلام فقط. ومن ذلك حديث المسيء في صلاته، حيث قال له ﷺ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثلاثاً، فقال الرجل: “والذي بعثك بالحق ما أُحسن غيره فعلمني”، فقال: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا…» (رواه البخاري ومسلم). وقال ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (رواه البخاري)، وقال في الحج: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (رواه مسلم).

وهكذا تُظهر هذه الاستراتيجيات الأربع أن التعلم النشط أصل أصيل في التربية الإسلامية، فقد استخدم النبي ﷺ العصف الذهني وضرب الأمثال والتوضيح البصري والممارسة العملية، وهي جميعها استراتيجيات لا تزال تُدرَّس في كليات التربية حتى اليوم. فمن أراد أن يكون معلماً ناجحاً، فليقتفِ أثر المعلم الأول ﷺ.

وللمقال بقية بإذن الله تعالى، نظرًا لأهميته التربوية، فتابعونا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights