رحلة طير… وحنين إلى الوطن
حمدان بن سعيد العلوي
مدرب ومفكر ومحلل إعلامي
في كل موسم تهاجر الطيور بهدف البحث عن الغذاء، وتغير المناخ وتقلبات الطقس وطول النهار، ثم تعود إلى موطنها بعد رحلة شاقة تقطع فيها مسافات بعيدة تصل إلى آلاف الكيلومترات.
الغريب في الأمر أن الطيور، وبعد هذه الرحلة الشاقة، تعود إلى موطنها الأصلي، وكأن الحنين إلى الوطن يدفعها إلى العودة بعد قضاء موسم خارج الديار.
وفي أحد المواسم هاجرت الطيور من موطنها إلى وطن آخر أكثر دفئًا خوفًا من الصقيع، وعندما استقرت الطيور لفترة قررت العودة، إلا أن طيرًا واحدًا فضّل البقاء؛ لأنه شعر بالراحة والسكينة في هذا الوطن. حاولت الطيور إقناعه بالعودة، إلا أنه رفض عندما وجد المأوى ووفرة الطعام والأجواء الهادئة.
عادت الطيور جميعها، إلا طيرًا واحدًا بقي وحيدًا، حيث فضّل الاستمتاع بالطقس والطعام المتوفر بكثرة. مرت الأيام والليالي، ولم يشعر بالوحدة، فقد كان أنانيًا عندما اختار البقاء، مفضلًا الوحدة على أن يكون فردًا من المجموعة المتجانسة والمتأقلمة في طبيعة حياتها وألفتها ببعضها البعض.
وبعد مرور الأيام شعر الطائر بالوحدة، فلا يوجد أحد من أبناء جنسه حوله. فكر كثيرًا: هل يعود أم يبقى؟ ولكن الأنانية غلبت عليه، فبقي لفترة أطول.
ومع مرور الأيام والليالي اشتدت عليه ظروف الحياة، فاشتد سطوع الشمس وارتفعت معه درجات الحرارة. فكر في العودة، لكنه ظن أنها فترة وستعود الأجواء لطيفة، إلا أن العكس حدث، فقد بدأت درجات الحرارة بالارتفاع يومًا بعد يوم، وبدأت الحياة تصبح أصعب، وبدأ الغذاء يتناقص بسبب تغير المناخ.
قرر في صباح أحد الأيام الطيران والعودة إلى الديار، ولكن بحكم أنه كان صغيرًا، وهذه أول رحلة له في هذا المكان، حاول معرفة الطريق، إلا أنه هبط في منطقة ليست موطنه الأصلي، وكانت الحرارة أشد، كما أن خطورة الحيوانات المفترسة أجبرته على الفرار من مكان إلى آخر.
حلّق في السماء بحثًا عن وطنه وأبناء جلدته، ولكنه في كل محاولة كان يهبط في مكان غير ملائم لطبيعة حياته. وفي إحدى رحلات العودة واجه طقسًا مغبرًا وشديد الرياح، فسقط من الأعلى بفعل قوة الرياح، ليجد نفسه في أحد الأودية المليئة بالصقور والطيور الجارحة.
ظل مختبئًا ويهرب بين حين وآخر خوفًا من الافتراس، وحاول التنقل مقاومًا الرياح الشديدة، حتى وصل إلى منطقة أكثر هدوءًا ليبيت ليلته جائعًا، لا يقوى على الحراك.
عاود التحليق مع بزوغ فجر اليوم التالي، على أمل العثور على أقربائه ووطنه الذي ازداد شوقه وحنينه إليه. وفي الطريق هبت عاصفة شديدة وأمطار غزيرة أجبرته على الهبوط مرة أخرى، على أمل قضاء وقت من الراحة ثم يعاود الطيران.
نهض مع صباح اليوم الثالث بعد هدوء الرياح، ولكن الأمطار لا تزال تهطل بأقل من غزارة اليوم المنصرم. طار بارتفاع عالٍ لعله يستطيع رؤية وطنه، لكنه تفاجأ بتساقط حبات البَرَد التي كانت تضرب بقوة، لتكسر جناحه ويسقط من الأعلى.
كان الألم شديدًا مع اشتداد البرودة والثلوج التي تغطي المكان. حاول النهوض، لكنه لم يستطع بسبب الجوع والضعف الشديد الذي أصابه، ليقع فريسة سهلة بين أنياب حيوان مفترس، وتنتهي حياته بعد معاناة وألم وحنين إلى الوطن والأهل والأصدقاء.
هكذا انتهت حكاية الطير الذي فضّل العيش بلا وطن، بعيدًا عن أهله وأقربائه.
العبرة:
فالوطن ليس سكنًا ولا مالًا ولا متطلبات آنية قد تنتهي في لحظة، الوطن بيت آمن، وأب حنون، وأم حانية، وأصدقاء في وقت الشدة.


