إنه ليس من أهلك

اسماعيل بن حبيب الشكيلي
مع كل عام دراسي جديد، ينشغل الآباء بمستقبل أبنائهم، ويقدمون لهم دعما مستمرا؛ لأجل أن ينالوا تعليما جيدا، وشهادة علمية تفتح لهم أبواب المستقبل، ويحصلوا على وظيفة تمنحهم استقرارا وحياة أفضل، وهذا أمر طبيعي؛ فرابطة الدم تجعل الإنسان يرى في ابنه امتدادا لوجوده، فيبذل من أجله ما أوتي من قوة، ويحاول أن يفتح له من أبواب الدنيا ما عجز هو عن فتحه، ويرى في قرارة نفسه أن هذا الجهد جزء من التربية المقدسة التي يمارسها كأب صالح.
لكن في الحقيقة ما يفعله الآباء يندرج ضمن مفهوم الرعاية؛ فالتربية أعمق من أن تكون مشروعا لصناعة مستقبل ناجح لابن، فدور الوالدين ليس بناء مستقبل الأبناء فحسب، بل بناء إنسان يحمل ذلك المستقبل، ويعيش به في مجتمعه، ويبني علاقته بذاته وبالآخرين وبربه، ثم يصبح يوما مستقلا عن رقابة أبيه، مسؤولا عن أفكاره وقراراته واختياراته، من خلال ما اكتسبه من مشاعر وقيم وقدوة وتوجيه.
إن التربية القائمة على منهج الصلاح تتجاوز إعانة ابن لينجح في الحياة، إلى تربية إنسان يفهم تلك الحياة ويدرك غايتها، ويحسن الاختيار فيها ويجعل من الدنيا مزرعة لآخرته، لكن الآباء اليوم يحصرون التربية في دعم أبنائهم في تعليم نظامي، هدفه الأساسي منح الشهادة التي تجلب الوظيفة، والتي بدورها توفر المال والمكانة؛ فيصبح الأب رقيبا على سلوك ابنه لتحقيق هذه الغاية، فكل القيم والانضباط والتوجيه قائم على هذه الفكرة فقط. ولهذا حين يكبر الابن وتسقط الرقابة، ويصبح القرار بيده، عند تلك اللحظة ندرك أن المادية التي تربى عليها لا تجعل منه سوى مسخ بشري، ولربما سعى إلى المال أو الوظيفة على رقاب الآخرين أو على حساب المجتمع.
إن تربية الأبناء لا ينبغي أن تختزل في رابطة الدم، تلك الرابطة البيولوجية التي تمنحنا ابنا، لكنها لا تمنحنا بالضرورة إنسانا صالحا. فالتربية الأبوية الحقيقية تبدأ عندما ندرك أن مهمتنا ليست امتلاك الأبناء، ولا صناعة نسخ منا، وإنما بناء إنسان قادر على أن يختار الحق حين لا نكون بجواره. وهدف التربية _في عقيدتنا_ أن نصنع إنسانا صالحا، لا أن نحافظ على النسب مهما كانت النتائج؛ فالقرابة والأهلية في ميزان الإسلام ليستا بالدم فحسب، وإنما بالترابط العقدي واتباع الحق: “إنما المؤمنون إخوة”.
لقد وضع القرآن الكريم هذه الصورة في مشهد جلي واضح في قصة نوح عليه السلام. فحين خاطب نوح ربه لإنقاذ ابنه، لم ينف القرآن حقيقة النسب، ولم يلغ رابطة الأبوة، وإنما أعاد ترتيب معنى الأهلية في ميزان الحق: “قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح”، فالنسب حقيقة، لكن الأهلية معنى آخر؛ والدم يصنع القرابة، لكنه لا يصنع وحده الانتماء. ونرى اليوم في مجتمعنا اثنين يجمعهما سقف واحد، ويختلفان في النهج والطريقة؛ بل ربما كان أحدهما وجها من وجوه الصلاح، والآخر شيطانا من شياطين الإنس، والعياذ بالله. وقد يكون أقرب الناس إليك نسبا أبعدهم عنك منهجا. فأبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تنفعه قرابته حين اختار طريقا مخالفا للحق، فالقرابة تحرك فينا مشاعر المحبة، لكنها لا تمنحنا حق تحويل الخطأ إلى صواب، ولا تجعل الدم بديلا عن القيم.
ومن هنا ندرك أن التربية مسؤولية تتجاوز توفير المأكل والتعليم والنجاح الاجتماعي، إنها محاولة لصناعة بوصلة داخلية تبقى مع الابن حين يغيب الأب. ونحن نعيش زمنا لم يعد البيت فيه المصدر الوحيد الذي تتشكل فيه شخصية الأبناء؛ فالعالم يدخل إليهم من شاشة صغيرة، ويحمل معه أفكارا وقيما وأسئلة قادرة على إعادة تشكيل نظرتهم إلى الدين والحياة.
ولهذا، فإن التربية التي تكتفي بأن تقول للابن ماذا يفعل، دون أن تبني فيه وعيا يعلمه لماذا يفعل، قد تتركه هشا أمام أول فكرة يجدها خارج البيت، خصوصا في المرحلة الجامعية. كما أن تحويل التربية إلى منبر للوعظ والإرشاد والأمر والنهي لا يصنع إنسانا واعيا؛ وإنما ينبغي أن تكون هناك منهجية قائمة على تحويل القيم إلى حياة ترى قبل أن تقال، وأن تبنى العلاقة الاسرية على صدق في المعاملة، ورحمة في الاختلاف، واحترام للعقل، وأمان يجعل الابن قادرا على الحديث عما يدور في داخله دون خوف. فالإيمان الذي لا يتحول إلى سلوك، والقيمة التي لا تجد لها أثرا في البيت، قد تبقى ألفاظا محفوظة لا تصمد طويلا حين يصبح الإنسان وحيدا أمام اختياراته.
إن أشد ما ينبغي خشيته اليوم أن تأخذنا السنوات ونحن نراقب أبناءنا وهم يكبرون في أعمارهم، ولا ننتبه إلى ما يكبر في داخلهم من أفكار تبعدهم عنا مسافات، حتى يأتي يوم نكتشف فيه أن الذي نشأ في أحضاننا لم يعد قريبا منا إلا بالدم، وأننا كنا نصنع له مستقبلا في الدنيا، بينما كان مستقبله الإنساني يتشكل بعيدا عن أعيننا. فأعظم أمر يمكن أن يقع علينا أن ندرك متأخرين أن موجا عظيما حال بيننا وبين أبنائنا، فأغرقهم في بحر لجي، بينما كنا نظن أننا نهيئ لهم شاطئا آمنا للحياة.



