مقالات صحفية

من أمة ترعى الغنم إلى أمة تقود الأمم .. حين تخدعنا بلاغة العبارة

  سليمان بن حمد بن مسعود العامري

تخيّل أن يقرأ أحد أحفادنا بعد قرنين في كتاب تاريخ: كان أهل الخليج أمة تعيش حول آبار النفط، ثم جاءها التعليم فحوّلها من أمة تستخرج النفط إلى أمة تقود الدول. سنرفض هذا الوصف، لا لأنّ النفط لم يكن مؤثراً في حياة الخليج، بل لأن الكاتب حوّل مورداً اقتصادياً إلى هوية للإنسان، واختصر مجتمعات كاملة في نشاط لا يمارسه جميع أفرادها. وهذه هي المشكلة نفسها التي تختبئ في العبارة الشائعة: حوّل الرسول صلى الله عليه وسلم العرب من أمة ترعى الغنم إلى أمة تقود الأمم.

لا يدور النقاش هنا حول عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا حول الأثر الحضاري للإسلام؛ فذلك ثابت لا يحتاج إلى هذه المقولة. إنما يدور حول التعريف الذي أقام عليه القائل مديحه؛ إذ جعل حال العرب قبل الإسلام رعي الغنم، ثم جعل القيادة حالهم بعده. وهكذا جمعت العبارة نتيجة صحيحة، هي عظمة التحول الإسلامي، إلى مقدمة مختلة، هي اختزال العرب في الرعاة. وصحة النتيجة لا تصحح مقدمة باطلة.

وللعبارة قدرة خاصة على تعطيل السؤال؛ فهي مبنية على مقابلة موسيقية بين ترعى وتقود، وبين الغنم والأمم، فتمنح الأذن متعة سريعة قبل أن يمنح العقل نفسه فرصة الفحص. ثم يقترن هذا البناء باسم الرسول صلى الله عليه وسلم، فيشعر بعض الناس أن نقد العبارة انتقاص من مقامه. ولكن المسلم مأمور بقبول ما ثبت عن الرسول، لا كل كلام ورد فيه اسمه. وهذه المقولة ليست حديثاً، ولا يعرف لها أصل في كلام النبي، ولذلك لا تكتسب صحة دينية بمجرد اقترانها به.

ومن اللافت أن صورة فكرية قريبة جداً منها ظهرت باللغة الإنجليزية عند الكاتب الإسكتلندي توماس كارلايل، في محاضرته عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم سنة 1840، التي نشرت ضمن كتابه الأبطال وعبادة البطل. وصف كارلايل العرب بأنهم قوم فقراء من الرعاة، تائهون في الصحراء لا يكاد العالم يلحظهم، ثم عرض التحول الذي أحدثته الرسالة حتى صار لهم حضور عالمي. وليست العبارة العربية ترجمة حرفية مؤكدة لكلامه، لكن بنيتها هي ذاتها تقريباً: رعاة مجهولون، ثم نبي، ثم مجد عالمي. وكان كارلايل يقصد المديح، غير أن نظرته الخارجية اختزلت الجزيرة في الصحراء والراعي؛ ثم تلقف الخطاب العربي الثناء، وحمل معه الاختزال من غير أن ينتبه إليه. ويمكن مراجعة العبارة في النص الأصلي لكتاب كارلايل.

وإذا عوملت عبارة أمة ترعى الغنم بوصفها تعريفا لحال العرب، فإنها تفشل وفق أبسط شروط التعريف المنطقي؛ فالتعريف ينبغي أن يكون جامعاً مانعاً. وهي ليست جامعة؛ لأنها تستبعد الملوك والتجار والمزارعين والبحارة والصناع والشعراء وغيرهم ممن تكوّن منهم المجتمع العربي. وليست مانعة؛ لأن الرعي عرفته أمم كثيرة في آسيا وإفريقيا وأوروبا، فلا يميز العرب من سواهم. لقد أخذت العبارة عرضاً اقتصادياً موجوداً في بعض المجتمع، ثم جعلته جوهراً لهوية المجتمع كله.

وفي هذا الانتقال تقع مغالطة التعميم المتعجل. فقولنا: كان بعض العرب يرعون الغنم قضية جزئية يمكن إثباتها، أما قولنا: كان العرب أمة رعاة فحكم كلي لا ينتج منها. وهو يشبه أن نلاحظ ذكاء عدد من الكتّاب، ثم نقول: كل كاتب ذكي. لا توجد علاقة لزوم بين الكتابة والذكاء، كما أن وجود الماشية لا يعني أن جميع السكان كانوا يمتهنون الرعي. والدليل على وجود فئة داخل المجتمع لا يكفي لتعريف المجتمع بها.

وحين ننتقل من المنطق إلى التاريخ، نجد صورة أوسع من أن تتسع لها المقولة. فقد قامت في جنوب الجزيرة ممالك سبأ ومعين وقتبان وحضرموت وحمير، بما امتلكته من حكم وإدارة ونقوش ومنشآت وطرق تجارية. وتكشف آثار مملكة سبأ عن تنظيم سياسي وإدارة مركزية وهندسة متقدمة للمياه. وفي شمال الجزيرة ازدهرت مملكة الأنباط ومدنها، وفي الحيرة حكم المناذرة، وفي الشام حكم الغساسنة، وفي وسط الجزيرة قامت كندة. وهذه الشواهد لا تقول إن كل العرب كانوا ملوكا، لكنها تكفي لإبطال القول إنهم كانوا أمة لا تعرف إلا الرعي.

وإلى جانب الحكم، عرفت الجزيرة أنشطة اقتصادية وثقافية متعددة. فقد كانت عمان جزءاً من شبكات بحرية وتجارية قديمة، وكانت تجارة اللبان في ظفار من طرق السلع النفيسة في العالم القديم. وعرفت مكة تجارة قريش ورحلتي الشتاء والصيف، وعرفت الجزيرة الأسواق والقوافل و المعاهد والشعر والخطابة. والصورة التاريخية المنصفة إذن ليست أمة من الملوك ولا أمة من الرعاة، بل مجتمعات متنوعة فرضت عليها بيئاتها أنماطاً مختلفة من العيش والعمل.

أما كثرة الإبل والأغنام، فتفسرها طبيعة ذلك العصر والبيئة، ولا تصلح دليلاً على غياب الحضارة. كانت الماشية ثروة وغذاء وكساء ووسيلة نقل وتجارة؛ وكانت الناقة شاحنة الصحراء وسفينتها ورأس مال الأسرة. ولذلك يدل حضور الحيوان على قدرة الإنسان على التكيف مع بيئته، لا على أن الرعي هو ماهيته الوحيدة. كما أن الرعي في ذاته عمل كريم لا يعيب صاحبه؛ فالاعتراض ليس على المهنة، بل على اتخاذها إسماً جامعاً لأمة متعددة الأحوال.

ولهذا يمكن استبدال العبارة الشائعة بصياغة أدق: وحّد الإسلام قبائل متفرقة، وهذّب قوتها بالوحي، ونقلها من تنازع العصبيات إلى مسؤولية الرسالة، فصاغ منها أمة شاركت في بناء حضارة امتد أثرها إلى الأمم.

بهذا الفهم نعطي الرسول صلى الله عليه وسلم حقه من غير أن نظلم التاريخ، ونثبت أثر الإسلام من غير أن نصنع للعرب ماضيًا مختزلاً. فبلاغة العبارة لا تكفي لتصحيح معناها، والمديح لا يكون منصفًا إذا احتاج إلى مقدمة غير صحيحة. وأيضاً لا ينتقص إسقاط هذه المقولة من التحول الذي أحدثه الإسلام، بل يضعه في موضعه الأعمق.

ليست كل مقولة بليغة موزونة حجة يستدل بها؛ فقد تمنح البلاغة الوهم هيئة الحقيقة، حتى يصبح جمال الصياغة بديلا عن صحة المعنى.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights