أكبر من الصورة التي رسموها لي
علياء السباعية
لطالما تساءلت: كيف يمكن لأشخاص نحبهم، ونضع ثقتنا فيهم، أن يجعلونا نشك في أنفسنا دون أن نشعر؟
لم يكن الأمر مجرد كلمة عابرة أو موقفًا وانتهى. كان يتكرر كثيرًا، وبأشكال مختلفة. مرة يجعلونني أشعر أنني لا أفهم، ومرة يتحدثون معي وكأنني لم أسمع، أو كأن ما أقوله لا يستحق أن يؤخذ بجدية. وأحيانًا كانوا يتصرفون وكأنني آخر من يمكن أن يعرف أو يفهم.
والأصعب من ذلك كله، أنهم لم يكونوا أشخاصًا عابرين في حياتي.
كانوا أهلي، وصديقاتي، وأشخاصًا أحببتهم، وأعطيتهم مكانة لم أعطها للكثيرين. كنت أختارهم حين أستطيع أن أختار غيرهم، وأصدقهم حين كان بإمكاني أن أشك، وأضع كلامهم فوق كلام الجميع.
كنت أظن أن القريب لا يمكن أن يخطئ في حقك بهذا الشكل.
وكنت أظن أن من أحبهم يرونني كما أنا، لا كما يتخيلونني.
لكنني مع الوقت بدأت ألاحظ شيئًا مؤلمًا: بعض الناس لا يحتاجون إلى أن يقولوا لك صراحةً إنك أقل منهم؛ يكفي أن يعاملوك طوال الوقت وكأنك لا تعرف، لا تفهم، لا تستطيع، أو أنك بحاجة دائمًا إلى من يشرح لك الحياة.
ومع كثرة تكرار ذلك، تبدأ المشكلة الحقيقية.
لا تعود تسأل: لماذا يفعلون هذا بي؟
بل تبدأ في سؤال نفسك: هل أنا فعلًا لا أفهم؟
وهنا كنت أخسر نفسي شيئًا فشيئًا.
كنت أبحث عن تفسير لكل موقف، وألتمس لهم الأعذار، وأقول ربما لم يقصدوا، ربما أنا فهمت الأمر بطريقة خاطئة، ربما هم يعرفون أكثر مني.
كنت أصدقهم.
ليس لأنني لم أكن أملك عقلًا أفكر به، وإنما لأنني أحببتهم لدرجة جعلتني أثق برؤيتهم لي أكثر من رؤيتي لنفسي.
وهذه كانت غلطتي.
فليس كل من نحبهم يعرفوننا حق المعرفة، وليس كل قريب يرى حقيقتنا، وليس كل شخص اعتدنا أن نصدقه يستحق أن يكون هو الصوت الذي نسمعه عندما نشك في أنفسنا.
ثم بدأت أفهم شيئًا لم أفهمه من قبل:
قد يستصغرك أحدهم لأنه لم يرَ إلا الجزء الذي اعتاد عليه منك، لا لأنك فعلًا صغير.
قد يعرفونك في مرحلة كنتِ فيها ضعيفًا، فيحتفظون بتلك الصورة عنك حتى بعد أن تتغير.
وقد يعتادون أن تكوني الشخص الذي يسكت، فيستغربون عندما تتحدثين.
وقد يعتادون أن يقرروا عنك، فيظنون أنك لن تعرفي كيف تقررين لنفسك.
وقد يرون أخطاءك القديمة، وينسون كل المرات التي نهضتِ فيها بعدها.
ولأنهم اعتادوا صورتك القديمة، يصبح نموك بالنسبة لهم شيئًا لا يرونه بسهولة.
لكنني لستُ الصورة التي رسموها لي.
أنا أكبر من كل موقف جعلوني أشعر فيه أنني لا أفهم.
وأكبر من كل مرة تعاملوا معي فيها وكأن رأيي لا قيمة له.
وأكبر من كل كلمة جعلتني أراجع نفسي وأنا أعرف في داخلي أنني كنت على حق.
لم أعد أريد أن أثبت لهم أنني أفهم.
ولا أن أشرح لهم أنني أستطيع.
ولا أن أركض خلف اعترافهم بي.
لأنني أدركت أخيرًا أن قيمتي لا تحتاج إلى شهادة من أحد.
ربما سيستمر بعضهم في استصغاري، وربما لن تتغير نظرتهم مهما تغيرت أنا.
لكن الفرق أنني لم أعد أرى نفسي من خلال أعينهم.
أصبحت أرى نفسي بعيني أنا.
وأعرف أنني قد أخطئ، وقد أجهل أشياء، وقد أحتاج إلى من يعلمني، وهذا لا يجعلني أقل من أحد.
فأنا لا أريد أن أتحول إلى إنسانة لا تخطئ حتى أثبت لهم أنني لست صغيرة.
أريد فقط أن أكون إنسانة تعرف أن جهلها بشيء لا يعني أنها جاهلة، وأن خطأها لا يعني أنها فاشلة، وأن صمتها لا يعني أنها لا تفهم، وأن طيبتها لا تعني أنها ضعيفة.
وأكثر ما يؤلمني حين أتذكر الماضي ليس أنهم استصغروني.
بل أنني صدقتهم.
صدقت أشخاصًا اخترتهم من بين الجميع، ووضعت ثقتي فيهم، وظننت أن قربهم مني يعني أنهم يعرفونني أكثر مما أعرف نفسي.
لكن ربما كان عليّ أن أتعلم ذلك الدرس بالطريقة الصعبة:
لا تجعل حبك لأحد يجعلك تشك في نفسك.
أحببهم، نعم.
قدّرهم، نعم.
استمع إليهم، نعم.
لكن لا تسلّمهم المرآة التي ترى بها نفسك.
لأن بعض الناس قد يرونك صغيرًا، مهما كبرت.
وقد يرونك ضعيفًا، مهما أصبحت قويًا.
وقد يصرّون على معاملتك وفق نسخة قديمة منك، بينما أنت قضيت سنوات كاملة في بناء نسخة جديدة.
وفي النهاية، لا يهم كثيرًا إن اقتنعوا.
فأنا لم أعد أريد أن أكبر في أعينهم.
أريد أن أكبر في عيني أنا.
وأن أنظر إلى نفسي دون أن أسمع أصواتهم في رأسي.
أن أعرف أنني أفهم، حتى إن لم أفهم كل شيء.
وأنني أستطيع، حتى إن تعثرت.
وأنني أستحق، حتى إن لم يرَ أحد ذلك.
فربما لم أكن يومًا صغيرة كما ظنوا…
ربما كنت فقط أضع نفسي أمام الأشخاص الخطأ، وأطلب منهم أن يخبروني كم أساود.



