العتاد ليوم الميعاد
ميَّاء الصوافية
يوجهنا الله عز وجل في الآية الحادية والستين من سورة الصافات ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ إلى أن النعيم العظيم والخلود في الجنة هو الغاية الحقيقية التي يسعى إليها الإنسان المؤمن السوي، ومن أجل هذا فإنه يعمل في زمن حياته الدنيوي بالقلب الذي أصلحه الصدق، وبالجد الذي لا يضنيه التراجع، طائعًا لله عز وجلّ، عاملًا بأوامره، ومنتهيًا عن نواهيه؛ حتى يظفر بالغنيمة العظمى، وينزل منازل رضا الله تعالى، تلك المنازل التي تعني السعادة في الدنيا والدار الآخرة.
إن هذه الآية العظيمة المحفزة توقظ في النفس معنى الحياة الحقيقية التي خلقنا المولى عز وجل من أجلها، وتغرس في قلوبنا معنى السير القلبي الذي نسير عليه حتى نصل إلى المعنى الحقيقي للحياة التي خلقنا من أجلها.
تعلمنا هذه الآية الكريمة أن الإسلام دين عمل ذو تفاصيل دقيقة، هذه التفاصيل التي لو فهمناها، وعملنا بها، فستجعلنا نحيا بالرضا التام في الحياة الدنيا، ونظفر بالنعيم المقيم في الآخرة.
على الإنسان ألا تثنيه العوائق، وألا تشتته الدروب؛ فطريق الله عز وجل واضحة، وعلى جنباتها قناديل السير التي تضيء لنا الوجهة الصحيحة.
تعلمنا هذه الآية الكريمة أن نصبر أمام شدائد الزمان، ونقف صامدين أمام ما يحني ظهورنا، ويثقل كواهلنا، حتى نشعر حينها أننا نعمل لرضا الله؛ فالله مع الصابرين يخلق البلاء، ويثيب على الصبر؛ فأنت بهذا عملت لراحتك الأبدية في الآخرة، وراحتك النفسية في الدنيا؛ فالله عز وجل معك، فقط عليك أن تصبر، ستجد المتسع في الآخرة، أو حتى من قبل ذلك في دنياك. لكن الإنسان الذي يُهزم أمام نوائب زمانه، ويرمي بسلاح صبره، فهو لم يعمل كما عمل العاملون السائرون في طريق الهدى.
إن هذه الآية الكريمة تعلمنا ألا ننتظر أن يأتينا الرزق على محامل مكتملة؛ فلا بد أن نسعى، وأن تتساقط حبات العرق منا كفاحًا، وجهدًا متواصلًا، وعلينا أن نلقي بدلاء الجهد في أعين الرزق؛ فكل آيات القرآن تحثنا أن نعمل لنلقى النتيجة الظافرة، فقط علينا أن نخلص النية، وأن نواصل السير في مساعي الرزق؛ فالسماء لا تمطر ذهبًا، وعلينا ألا نمد أيدينا طالبين الصدقات ما دام دم الحياة يسري في أجسادنا، وماء الجبين ما زال يتحدث عن كرامتنا.
إن جنى الآخرة وعد وعده الله لمن سعى إليه، قال تعالى: ﴿مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (الإسراء: 19).
وقد وصى الصحابة على ذلك؛ فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل».
تعلمنا هذه الآية الكريمة أن العمل الصالح في الدنيا هو مفتاح خير للمرء لدنياه وآخرته؛ فإن العمل المثمر يقوي مواجهة الإنسان للحياة، ويجعله أكثر إحسانًا للناس، وتقديمًا للفضل.


