الإتقان غاية، والكمال لله
أ.عبدالعزيز الدهماني
الإنسان في سعيه في الدنيا يبتغي إتقان العمل، وما ذلك إلا مصداقًا لقول الرسول ﷺ: “إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”. فيسعى في ذلك سعيًا حثيثًا ودقيقًا، ويطوّع وراء ذلك طاقاته، ويسخّر دعواته، ولكن هناك أمر مهمّ، وجانب آخر عليه أن يعمله في كل ميادين العمل التي يعملها ويقصدها، ويكون فيها مركزًا بكل حواسه وإدراكه؛ بغية التمام، ولكن ليعلم أنّ الكمال صفة لله، وليس للعباد، وكل المقاصد التي يسعى لها ناقصة، ولو حرص عليها، وكما قال الشاعر أبو البقاء في رثائه للأندلس بعد أوجها، وقمة زهوها، حتى قيل: لقد بلغتم مراتب الكمال:
لكل شيء إذا ما تم نقصانُ
فلا يُغَّر بطيب العيش إنسان
فبدأت هذه الحضارة العريقة بالزوال، وأفول شمسها ونهايتها، لعلم الإنسان ومن بنى الحضارات والأمم بأنّ لكل كمال نقصانًا، وليس الكمال إلا لله سبحانه، ولكن الإنسان يعطي ويضحي بما أعطاه الله من صفات، وأستذكر في ذلك ما قيل لأحد الكتاب ذات يوم عند عزمه إصدار كتابه: لو تأخرت قليلًا في نشره لكنت تجاوزت بعض العيوب، وكان كتابًا كاملًا. فردّ عليهم: الحمد لله على تيسير الله لي، أن رأى هذا الكتاب النور، ولو ظللت أسعى لكمال كتابي فلن يصدر، فنحن البشر لسنا كاملين، فكيف بما نصدره!!
والإنسان في رسالته في هذه الحياة، لو أنه سعى لكمال إيمانه ونفسه، وحثّ الخطى لتهذيبها مثلما يسعى لدنياه لكان من الفائزين عند الله، وعند العباد، وأحبّ الله، ومن أحبّه الله سخر له حبّ العباد له؛ مصادقًا لقول الله سبحانه في سورة آل عمران (الآية 102): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

