السكوت من ذهب
عواطف السعدية
لغة الكلام تكشف الغطاء عن طريقة تفكير الشخص وأسلوبه وأدبه الذي كبر عليه؛ لذلك كلما كان الشخص ناضجًا وواعيًا كان أكثر تمهلاً في الكلام كي يتجنب الوقوع في الفتن، لأن الصمت يمد الإنسان بطاقة قوية يستطيع من خلالها كسب المعلومات عما يحيط به وعن الأشخاص الذين يجب أن يجاورهم. والقرآن الكريم يضع قوانين للكلام، حيث يشرح بأنه لا خير في الكلام إلا في مواقع عدة؛ كقوله تعالى: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} – (النساء – الآية 114).
وقد وردت أحاديث كثيرة تحذر الإنسان من الكلام الزائد وتحث على التمسك بالصمت؛ لأن الكلام الزائد مضيعة للوقت، والوقت رأس مال الإنسان في هذه الحياة، وعن طريق تنظيم الوقت يصل الإنسان إلى ما يريد وجنات الخلد بتوفيق ورحمة الله تعالى له.
*تعلم فنّ الصمت:*
تختلف قدرات ومهارات النّاس في قابلية تعلّم الصَّمت من حيث مستوى ووعي الفرد، ومدى قدرته على احترام الآخرين من حوله وفهمهم، ومن الممكن أن يُدرّبَ الفرد نفسه على اكتساب مهارة وفنّ الصَّمت من خلال العديد من التمارين والطُرق والخطوات البسيطة، وفيما يأتي معلومات عنها.
– *التدرّب الذاتيّ*: هو تدريب الفرد نفسه على إتقان الصَّمت؛ من خلال إتاحته الفرصة المناسبة أمام ذاته، بالاعتماد على توجيه النَّفس نحو تحقيق أهدافٍ خاصّةٍ بموقفٍ معين؛ مثل الحصول على التغذية الراجعة لحدثٍ ما، ويساعد ذلك الفرد على امتلاك القدرة المناسبة للصَّمت بتركيز.
– *السيطرة على النّفس أثناء المشاركة في مناقشات عقيمة*: هو التزام الفرد بالصَّمتِ عندما يتحدث مع الأشخاص الذين يميلون إلى الثرثرة دون ترك الفرصة للطرفِ الآخر في الاستمرار بالكلام، ولكن يجب الحرص على تجنّب إيذائهم، ويكون دور الصَّمت هنا تقديم الحلّ الأمثل لإنهاء هذا الحديث بشكل طبيعيٍ، وأسلوبٍ لبق بدلاً من محاولة الخوض بالحديث وإضاعة الوقت.
– *أخذ دور المستمع*: ويكون بتدريب الفرد على البقاء صامتاً؛ من خلال تجنّب التعبير عمّا يدور في ذهنه قبل سماع جميع آراء وأفكار الأفراد الآخرين، وينصح بالمحافظة على الالتزام بالصمت لمُدّة يوم، ويساعد ذلك على تنمية مهارات الاستماع بشكلٍ أفضل.
– *التّحلي بالصَّمتِ عند الوقوع بالمشكلات المُختلفة*: حيث من المفيد عدم التسرع في إعطاء الأحكام المسبقة، بل تقييم الوضع الراهن بشكلٍ عقلانيّ وكامل، ثمّ الانتقال إلى خطوة مفيدة، ويساعد التدريب على هذه الطريقة في تجنّب الفرد اتخاذ القرارات العشوائيّة وغير المنطقيّة، بالإضافة إلى تنمية ودعم القُدرة على حلّ المُشكلات بالخطواتِ العلاجيّة المناسبة بعيداً عن التّسرع.
*فوائد الصمت:*
للصَّمت الكثير من الفوائد التي تظهر نتائجها على الصعيدين الذاتيّ والاجتماعي، وفيما يأتي مجموعة من الفوائد المهمّة للصَّمت:
– مساعدة الفرد على استثمار مهارات التفكير؛ من خلال توجيه قوَّة تفكيره واستخدامها في التفاعل العقلانيّ، فيستطيع أن يُفكّر بجميع الظروف المحيطة فيه بعمق.
– فرض احترام الشخص على الآخرين أثناء تعرضه للمواقف الصعبة؛ حيث يجنّبه الدّخول في الجدالات التي تولد الحقد.
– تعلّم آداب الكلام وحُسن الإنصات والاستماع للآخر.
– الحلّ الأمثل للمشكلات والنزاعات الزوجّية التافهة والبسيطة.
– توليد الشعور بالحذر وربما الغيظ للطرف المهاجم في الحديث؛ حيث من الممكن اعتبار الصمت عملية هجوم خفية، ويكون بذلك أقوى من كلام.
– إتقان الصَّمت برفقة مجموعة من الإيماءات يُساعد الفرد على التأثير في الشخص الذي يتكلّم معه؛ حيث يجعله يتحدث بكلمات أو معلومات أكثر ممّا يريد.
– حماية الفرد من الوقوع في كثرة الكلام واللغط؛ إذ قد يترتب على ذلك الكثير من العواقب والتبعات التي تؤثّر سلبيّاً في الشخص.
– منح شخصيّة الفرد مزيداً من مميّزات الوقار والحكمة والسكينة.
– مساعدة الفرد على فهم ذاته وانفراده معها؛ ممّا يفتح له آفاقه الداخليّة الشخصيّة، ويتيح له الفرصة لفهمها وحُسن استثمارها.


