مقالات صحفية

عتبات النقاء في وجه ريح الظنون : حين ينطق الوجع ويصمت الزيف

نعيمة بنت راشد البلوشية

تتأتي على الإنسان لحظات ينوء فيها الجسد بأثقاله، وتتحامل فيها الساقان تحت وطأة الإرهاق وكأنها تحمل فوق أوزانها أطنانًا من التعب الخفي. في تلك اللحظة بالضبط، حين تكون الطاقة في أدنى مستوياتها، يباغتك الوجع الإنساني الأعمق؛ لا وجع العضو المعتل، بل وجع الروح حين يُهشمها الظن وتغتيلها الأقاويل.

إن نقل الأحاديث في الخفاء، وإيقاد نيران الفتنة، والتسلق على أكتاف الأبرياء، والهروب الجبان من مواجهة الحقائق، هي آفات تنخر في عظم المجتمعات وبيئات العمل على حد سواء. إنها ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي أسلحة دمار لليقين الإنساني، تعتمد على الكذب والخداع لنسج خيوط عنكبوتية تلتف حول رقاب الأبرياء. الخوف من المواجهة المباشرة هو الوجه الحقيقي للجبن البشري، حيث يفضل المغرضون ركوب أمواج الإشاعات في العتمة، لأن النور وحده يكشف زيف بضاعتهم.

وما أثقل أن تختبر هذا الوجع وأنت في أشد حالات الاحتياج للسكينة! كما حدث اليوم تماماً؛ حين كان الجسد يترنح من شدة التعب، فإذا بالرفاق يسألون بدافع القلق، ليتدحرج الحديث نحو كرة ثلجية من الأكاذيب المنتشرة حول رسالة شكوى مزعومة وفوضى وهمية لا يد لك فيها، ولا ذنب لك سوى أنك وُجدت عرضة لسهام الغيبة والنميمة. والأمر الأكثر مرارة، ليس مجرد قسوة الشائعة في حد ذاتها، بل تكرارها المستمر؛ وكأن النقاء الإنساني مطارد دائم في هذا العالم، وكأن هناك من يتصيدون خطواتك ليلبسوها ثوباً لم تفرضه قط.

سمو النفس وطهارة الداخل أمام هذه الوخزات، يدرك العقل الواعي والقلب الحي أن الإنسان الأبيّ يجب أن ينأى بنفسه عن هذه المواطن الرديئة، وأن يترفع عن الكذب ومستنقعاته؛ فإن سواد القلوب لا يمكن حجبه، وحين يتلطخ الباطن بالسوء، تظهر آثاره جلية على ملامح الوجوه ونورها، فاضحاً زيف أصحابه ولو بعد حين.

إن التعامل الأمثل مع هؤلاء العابثين هو حرمانهم من نعمة “الأذن الصاغية”؛ فتهميشهم والتجاهل المتعمد لوجودهم هو أصفى درجات الترقي، فحقيقة أمرهم لم تعد تخفى على أحد، وصمتهم هو أضعف الإيمان لأن رائحة زيفهم قد أزكمت الأنف وأصبحت مفضوحة للجميع .

لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه بمرارة:

لماذا لا يزال هناك من يسمعهم، ويصادقهم، وينقل عنهم؟ وكأن النفوس الضعيفة تجد في تبني أباطيلهم مادة دسمة لملء فراغها الفكري والنفسي.

الحصن المنيع والأثر الباقي حين يمر الإنسان بمثل هذه الاختبارات، عليه أن يكون قدوة حية في النصح والتوجيه، لا أن تكون مسيرته عرضة للانكسار. بل ينبغي أن تتوقف عنده هذه الإشاعات والأحاديث المغرضة فلا يتحول يوماً إلى أداة لنقلها أو ترويجها، ولا يكون شبيهاً بمن آذوه.
بل ليكن الإنسان سداً منيعاً يحمي طهارة المحيطين به، يحافظ على أواصر الأخوة ورباطتها، ويختار دائماً حسن الظن بالجميع؛ متسلحاً بالدفء الإنساني، ومحصناً بالعقلانية واليقين بأن الحق أبلج وأن ريح الباطل إلى زهاق.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights