حين تتحول المسؤولية المجتمعية إلى صورة
حمدان بن هاشل العدوي
عضو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء
عضو الجمعية العمانية للأشخاص ذوي الإعاقة
هناك صور نلتقطها لتوثيق إنجاز، وأخرى تحفظ ذكرى جميلة، لكن هناك صورًا تستحق منا أن نتوقف أمامها ونسأل: ماذا تقول هذه الصورة عن الإنسان الذي فيها؟
من ذلك تصوير الأشخاص ذوي الإعاقة وهم يتسلّمون أجهزتهم التعويضية والمعينة، بحضور مسؤولين أو شخصيات اعتبارية أو ممثلي مؤسسات وشركات تقدم هذه الأجهزة ضمن برامج المسؤولية المجتمعية.
قد تكون النية حسنة، وقد يكون الشخص قد وافق على التصوير، لكن حسن النية والموافقة لا ينبغي أن يمنعانا من طرح سؤال أعمق: هل نُظهر ذلك الشخص بوصفه صاحب حق، أم بوصفه متلقيًا لعطاء وصدقة من الآخرين؟
فالكرسي المتحرك، والطرف الصناعي، وجهاز السمع وغيرها من الأجهزة المعينة والتعويضية، ليست منّة ولا هبة ولا صدقة أو ترفًا، بل وسائل تمكين تساعد الإنسان على الحركة والاستقلال والعمل والمشاركة في الحياة.
وقد أكد قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في سلطنة عُمان رقم 92/2025 على حماية الأشخاص ذوي الإعاقة من الاستغلال والإساءة، ومعاملتهم بما يحفظ كرامتهم وسمعتهم، كما تؤكد اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، في المادتين (8) و(22)، أهمية مكافحة الصور النمطية، واحترام الكرامة والخصوصية والسمعة.
ومن هنا، فإن القضية ليست في منع التصوير، ولا في التشكيك في دور المؤسسات والشركات التي تؤدي مسؤوليتها المجتمعية، وإنما في الصورة التي نختار أن نقدم بها ذلك الشخص من ذوي الإعاقة للمجتمع.
فالمسؤولية المجتمعية لا ينبغي أن تكون مبررًا لجعل حاجة الإنسان وسيلة لإظهار فضل الجهة المانحة لتلك الأجهزة، كما أن رغبة بعض الشخصيات الاعتبارية في الظهور لا ينبغي أن تكون على حساب كرامة هذه الفئة من الناس.
يمكن توثيق المبادرات بطرق مختلفة، لكن الأجمل أن نوثّق أثرها على الشخص، بدل أن نصوّر الإنسان وهو يتسلّم جهازه، لماذا لا نصوّره وهو يستخدمه في حياته اليومية، في عمله وقضاء حوائجه المختلفة؟
لماذا لا نراه يعمل، ويتعلم، ويتنقل، ويشارك، وينجز؟ هناك فرق كبير بين أن نقول: “انظروا ماذا قدّمنا له”، وبين أن نقول: “انظروا ماذا أصبح قادرًا على أن يفعل”.
الأولى تُبقي الإنسان في موقع المتلقي، والثانية تضعه في موقع الشريك، لذلك، ربما آن الأوان أن نغيّر زاوية الكاميرا، فأجمل صورة للمسؤولية المجتمعية ليست تلك التي توثق لحظة تسليم الجهاز، وإنما تلك التي توثق أثره في حياة الإنسان.
فالإنسان ذو الإعاقة ليس خلفيةً لصورة، ولا وسيلةً لإكمال مشهد، ولا متلقيًا لمنّة؛ بل هو صاحب حق، وشريك في المجتمع، وصاحب حياة تستحق أن تُرى كما هي، وربما آن الأوان أن نغيّر زاوية الكاميرا… قبل أن نغيّر الصورة.



