قضايا على طاولة التربية .. المدرسة شريك في بناء الإنسان
علي بن مبارك بن خلفان اليعربي
حين نتحدث عن المدرسة، تتجه الأنظار غالبًا إلى المناهج والكتب والاختبارات والدرجات، وكأن نجاح المدرسة يُقاس بما ينجزه الطالب في ورقة الامتحان. وقد ننسى، وسط هذا الانشغال، أن المدرسة ليست مكانًا للتعليم وحده، بل بيئة يعيش فيها الطالب سنوات مهمة من عمره، تتشكل خلالها جوانب كثيرة من شخصيته، وتتكون لديه مواقف وقيم وعادات سترافقه في حياته.
وفي المقال السابق، توقفنا عند الأسرة باعتبارها المدرسة الأولى في بناء الإنسان؛ فالطفل لا يدخل المدرسة صفحة بيضاء، وإنما يصل إليها وقد بدأت ملامح شخصيته تتشكل في البيت، من خلال ما سمعه ورآه وعاشه. ومن هنا يفرض نفسه سؤال آخر: ماذا تفعل المدرسة بالإنسان الذي يصل إليها؟ وهل تواصل ما بدأته الأسرة، أم تكتفي بتزويده بالمعرفة؟
هذه ليست دعوة إلى تحميل المدرسة ما لا تحتمل، ولا إلى مطالبتها بأن تقوم بدور الأسرة، وإنما هي دعوة إلى النظر إلى العملية التعليمية بصورة أوسع. فالمدرسة شريك في بناء الإنسان، وشراكتها لا تعني التدخل في كل تفاصيل حياته، وإنما تعني إدراك أن كل ما يحدث داخلها يترك أثرًا في الطالب، سواء كان درسًا في كتاب، أو موقفًا مع معلم، أو طريقة تعامل في الإدارة، أو علاقة بين طالب وزميله.
فالطالب لا يتعلم من المنهج وحده، وإنما يتعلم أيضًا من البيئة التي يعيش فيها.
المعلم، مثلًا، لا يعلّم بكلماته فقط. عندما يتحدث عن الاحترام، فإن طريقة تعامله مع طلابه تصبح درسًا في الاحترام. وعندما يتحدث عن تقبل الخطأ، فإن طريقة تعامله مع خطأ الطالب قد تكون أكثر تأثيرًا من أي حديث عن التسامح. وعندما يطالب طلابه بالانضباط، فإن عدالته ووضوحه والتزامه تصبح جزءًا من الرسالة التي يتلقاها الطالب.
ولهذا فإن المعلم لا يقف أمام طلابه ناقلًا للمعلومة فحسب، بل يقف أمامهم بوصفه نموذجًا يرونه ويتعاملون معه كل يوم. وربما ينسى الطالب صفحة من كتاب، لكنه قد لا ينسى موقفًا إنسانيًا وجده من معلمه في لحظة كان يحتاج فيها إلى من يفهمه.
وهنا تظهر أهمية أن تكون المدرسة بيئة تحفظ للطالب كرامته، وتصحح خطأه دون أن تحط من قدره. فالانضباط ضرورة لا خلاف عليها، لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو: كيف نعلّم الطالب الانضباط؟
هل نريده أن يلتزم لأنه يخشى العقوبة، أم نريده أن يفهم قيمة النظام والمسؤولية، فيصبح قادرًا على ضبط سلوكه حتى عندما لا تكون هناك رقابة؟
الفرق بين الأمرين كبير. فالخوف قد يفرض سلوكًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع بالضرورة إنسانًا مسؤولًا. أما حين يفهم الطالب سبب القاعدة، ويدرك أن لأفعاله نتائج، ويُمنح فرصة لتحمل مسؤولية اختياراته، فإن المدرسة تكون قد علمته شيئًا يتجاوز حدود المنهج، وعلمته كيف يعيش في المجتمع.
ومن هنا تأتي قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي مساحة المسؤولية التي نمنحها للطالب.
أحيانًا نريد من أبنائنا أن يكونوا مستقلين، قادرين على اتخاذ القرار، وتحمل نتائج اختياراتهم، ثم لا نمنحهم في البيت أو المدرسة فرصة حقيقية لممارسة ذلك. نقرر عنهم، ونحل مشكلاتهم، ونتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ثم نستغرب عندما نجد شابًا مترددًا أمام أبسط القرارات.
التربية لا تعني أن نمنع الخطأ في كل مرة، وإنما أن نجعل الخطأ فرصة للتعلم ما دام في حدود آمنة. فالطالب يحتاج إلى أن يجرب، وأن يخطئ، وأن يعرف نتيجة خطئه، وأن يتعلم كيف يصحح مساره. وبذلك يتحول التعليم من مجرد تلقي إلى ممارسة حقيقية للمسؤولية.
لكن هل تستطيع المدرسة أن تقوم بذلك وحدها؟
بالطبع لا.
وهنا تأتي العلاقة بين المدرسة والأسرة، وهي علاقة كثيرًا ما تتعثر عندما تتحول إلى تبادل للمسؤوليات بدل أن تكون شراكة في الحل. فعندما يواجه الطالب مشكلة، قد يبدأ السؤال: هل الخطأ من البيت أم من المدرسة؟ ومن المسؤول؟
وربما يكون السؤال الأجدى مختلفًا: ماذا نستطيع أن نفعل معًا؟
فالأسرة ليست مطالبة بأن تتدخل في عمل المدرسة، والمدرسة ليست مطالبة بأن تحل محل الأسرة، لكن كليهما مطالب بأن يدرك أن نجاح أحدهما يساعد الآخر. وحين تتواصل الأسرة مع المدرسة لفهم وضع ابنها لا لمجرد الدفاع عنه، وحين تتواصل المدرسة مع الأسرة قبل أن تتفاقم المشكلة لا بعد وقوعها، فإن العلاقة تنتقل من رد الفعل إلى الشراكة.
وتزداد أهمية هذه الشراكة في زمن لم تعد فيه المدرسة المصدر الوحيد للمعرفة والتأثير. فالطالب اليوم يعيش بين المدرسة والبيت والعالم الرقمي، ويتلقى أفكارًا ومعلومات وصورًا ومواقف من مصادر متعددة. ولهذا فإن مهمة المدرسة لم تعد فقط أن تقدم المعلومة، وإنما أن تساعد الطالب على التعامل معها بوعي.
التقنية ليست المشكلة في حد ذاتها، كما أن العودة إلى الماضي ليست حلًا. القضية في كيفية إعداد الطالب للتعامل مع عالم مفتوح تتعدد فيه مصادر التأثير. أن يعرف كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يميز بين الحقيقة والرأي، وبين المعرفة والمعلومة، وبين الحرية والمسؤولية.
وهذا هو جوهر التعليم الذي نحتاج إليه: أن ننتقل بالطالب من مجرد حفظ الإجابة إلى القدرة على فهم السؤال.
فإذا كانت المدرسة تهتم بالدرجات وحدها، فقد تنجح في تخريج طالب يجيد الإجابة عن أسئلة الامتحان، لكنها قد لا تنجح بالضرورة في إعداد إنسان يعرف كيف يتعامل مع أسئلة الحياة.
ولا يعني ذلك التقليل من شأن التحصيل الدراسي، فهو أساس مهم لا يمكن الاستغناء عنه، وإنما يعني أن نضعه في مكانه الصحيح. فالنجاح الأكاديمي قيمة، لكنه ليس القيمة الوحيدة. هناك طالب أصبح أكثر ثقة بنفسه، وآخر تعلم أن يتحمل مسؤولية خطئه، وثالث اكتشف موهبة لم يكن يعرفها، ورابع تعلم كيف يحاور من يختلف معه، وخامس أدرك أن النجاح لا يكون على حساب الآخرين.
هذه كلها مكاسب تربوية قد لا تظهر في كشف الدرجات، لكنها تظهر في شخصية الإنسان.
ومن الإنصاف كذلك ألا ننظر إلى المدرسة القديمة والحاضرة بمنطق المقارنة المطلقة. فما كان مناسبًا في زمن مضى قد لا يكون مناسبًا اليوم، وما نفتقده من قيم جميلة في الماضي يمكن استعادته دون أن نستنسخ الماضي بكل تفاصيله. احترام المعلم، والانضباط، وتحمل المسؤولية، وقيمة العمل، كلها قيم لا تنتمي إلى زمن معين، ويمكن أن تبقى حاضرة مهما تغيرت الوسائل.
المطلوب إذن ليس مدرسة تعود بنا إلى الماضي، ولا مدرسة تنجرف مع كل جديد، وإنما مدرسة تعرف ما الذي ينبغي أن تحافظ عليه، وما الذي ينبغي أن تطوره، وما الذي يحتاج إلى مراجعة.
فالمدرسة الناجحة ليست التي ترفع شعار بناء الإنسان فقط، وإنما التي تجعل هذا الشعار حاضرًا في تعاملها اليومي مع الطالب. في الفصل، وفي ساحة المدرسة، وفي طريقة التعامل مع الخطأ، وفي احترام الاختلاف، وفي منح الطالب فرصة للتعبير، وفي تعليمه أن الحقوق تقابلها واجبات.
وحين ننظر إلى المدرسة بهذه الصورة، فإن دور المعلم لا يعود منفصلًا عن دور الإدارة، ولا دور الإدارة منفصلًا عن الأسرة، ولا التعليم منفصلًا عن التربية. الجميع يعمل داخل منظومة واحدة، وإن اختلفت الأدوار والمسؤوليات.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نضعه أمامنا اليوم ليس: كم درسًا أنجزنا؟ وكم طالبًا حصل على الدرجة الكاملة؟ فهذه أسئلة مهمة، لكنها ليست كافية.
السؤال الأعمق هو: ماذا أضافت المدرسة إلى الإنسان الذي بين أيدينا؟
هل جعلته أكثر قدرة على التفكير؟
أكثر احترامًا للآخر؟
أكثر تحملًا للمسؤولية؟
أكثر قدرة على اتخاذ القرار؟
وأكثر استعدادًا للحياة بما فيها من نجاح وإخفاق واختلاف وتحديات؟
فإذا كانت الأسرة هي المدرسة الأولى في بناء الإنسان، فإن المدرسة هي المحطة التي تتسع فيها دائرة هذا البناء، وتتحول فيها القيم التي بدأت في البيت إلى ممارسات وتجارب وعلاقات.
بناء الإنسان يبدأ من البيت، لكنه لا يتوقف عند باب المدرسة؛ والمدرسة التي تنجح في تعليم الإنسان كيف يعيش، تكون قد أدت رسالتها قبل أن تعلّمه كيف يجيب.
وهنا تبقى القضية على طاولة التربية: إذا كنا نريد تعليمًا يبني إنسانًا، فهل نقيس نجاح مدارسنا بما حفظه الطالب فقط، أم بما أصبح عليه هذا الطالب؟



