مقالات صحفية

المرأة في مواجهة التغير المناخي… العدالة البيئية بوابة التنمية المستدامة في الوطن العربي

د. حيدر جاسب عريبي البهادلي
باحث دكتوراه في القانون العام
رئيس جمعية الميزان لتنمية حقوق الإنسان – العراق
[email protected]

لم يعد التغير المناخي قضية بيئية بحتة، بل تحول إلى تحدٍ قانوني وحقوقي وإنساني يعيد رسم أولويات الدول والمجتمعات. وبينما تتزايد آثار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والتصحر وشح المياه والكوارث الطبيعية في مختلف أنحاء العالم، تتباين قدرة الأفراد على مواجهة هذه التحديات تبعًا لظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، لتكون المرأة من أكثر الفئات تعرضًا لتداعيات الأزمة المناخية، ولا سيما في الدول العربية التي تواجه ضغوطًا بيئية وتنموية متزايدة.

إن العلاقة بين المرأة والبيئة ليست علاقة عابرة، بل علاقة وجودية؛ فالمرأة في كثير من المجتمعات العربية تؤدي أدوارًا محورية في إدارة الموارد المنزلية، ورعاية الأسرة، والإنتاج الزراعي، والمحافظة على الأمن الغذائي. ولذلك فإن أي اضطراب بيئي ينعكس بصورة مباشرة على مسؤولياتها اليومية، ويضاعف الأعباء الواقعة على عاتقها، ويؤثر في فرصها الاقتصادية والاجتماعية.

ومن منظور حقوق الإنسان، فإن آثار التغير المناخي لا تقتصر على البيئة، بل تمتد إلى حقوق أساسية كفلها القانون الدولي والدساتير الوطنية، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والحق في الصحة، والحق في المياه، والحق في الغذاء، والحق في العمل، والحق في التنمية، وهي حقوق تتأثر جميعها عندما تصبح الموارد الطبيعية أكثر ندرة، وتزداد الكوارث المناخية تكرارًا وشدة.

ولذلك لم يعد الحديث عن حماية المرأة من آثار التغير المناخي عملًا خيريًا أو قضية اجتماعية، وإنما أصبح جزءًا من مفهوم العدالة البيئية، الذي يقوم على ضمان توزيع منصف للمخاطر البيئية والموارد الطبيعية والفرص التنموية، وعدم تحميل الفئات الأكثر هشاشة أعباءً لم تكن سببًا في صنعها.

وتواجه المرأة العربية تحديات مناخية متعددة، أبرزها تراجع الأمن الغذائي، وارتفاع معدلات الفقر، وصعوبة الحصول على المياه، وانخفاض الإنتاج الزراعي، فضلًا عن ازدياد المخاطر الصحية المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة وتلوث الهواء. وفي المناطق الريفية، تكون النساء أكثر تأثرًا بندرة المياه وتدهور الأراضي الزراعية، بينما تتضاعف التحديات في مناطق النزاعات المسلحة، حيث تتداخل آثار التغير المناخي مع الهشاشة الأمنية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، تبرز سلطنة عُمان بوصفها واحدة من الدول العربية التي أولت اهتمامًا متزايدًا بقضايا البيئة والاستدامة، من خلال سياسات وطنية تهدف إلى حماية الموارد الطبيعية، وتعزيز الاقتصاد الأخضر، والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وربط أهداف التنمية الاقتصادية بالاستدامة البيئية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.

وقد انعكس هذا التوجه في تنامي مشاركة المرأة العُمانية في القطاعات البيئية والعلمية والإدارية، وفي حضورها داخل المؤسسات الحكومية والأكاديمية والمبادرات المجتمعية المعنية بالاستدامة، الأمر الذي يؤكد أن الاستثمار في المرأة يمثل استثمارًا في قدرة المجتمع على مواجهة التحديات المناخية.

إلا أن مواجهة آثار التغير المناخي لا تتحقق بمجرد تمكين المرأة من المشاركة، وإنما تستوجب إشراكها في صناعة القرار البيئي، وإعداد التشريعات والسياسات العامة، وتمثيلها في اللجان الوطنية المعنية بالمناخ، بوصفها شريكًا في بناء الحلول، لا مجرد متلقية لآثار الأزمة.

ومن الناحية القانونية، تؤكد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”، وأهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الخامس المتعلق بالمساواة بين الجنسين، والهدف الثالث عشر المتعلق بالعمل المناخي، أن تحقيق التنمية المستدامة يقتضي إدماج منظور النوع الاجتماعي في السياسات البيئية، وتعزيز مشاركة النساء في إدارة الموارد الطبيعية، والتخطيط لمواجهة الكوارث، وبناء المجتمعات القادرة على الصمود.

كما أن اتفاق باريس بشأن تغير المناخ أبرز أهمية مراعاة المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة عند إعداد وتنفيذ السياسات المناخية، وهو ما يضع على عاتق الدول مسؤولية تطوير أطر تشريعية وإدارية تجعل المرأة جزءًا من الحلول المناخية، وليس فقط من الفئات المتضررة.

إن التجارب الدولية أثبتت أن مشاركة المرأة في إدارة الموارد الطبيعية، والزراعة المستدامة، والطاقة النظيفة، والمشروعات البيئية، تسهم في رفع كفاءة السياسات البيئية، وتعزيز التنمية المحلية، وتقليل آثار الكوارث الطبيعية. لذلك فإن تمكين المرأة بيئيًا أصبح ضرورة استراتيجية، وليس مجرد هدف تنموي.

وفي العالم العربي، ما زالت الحاجة قائمة إلى مراجعة التشريعات البيئية من منظور حقوق الإنسان، وإدماج البعد المناخي في الخطط الوطنية الخاصة بتمكين المرأة، مع توفير التمويل اللازم للمشروعات البيئية التي تقودها النساء، وتشجيع البحث العلمي والابتكار في مجالات الاقتصاد الأخضر، وإعداد برامج تدريبية تعزز قدرات النساء والشابات على التكيف مع التغيرات المناخية.

ولا يمكن إغفال الدور المحوري لمنظمات المجتمع المدني، والجامعات، ووسائل الإعلام، في نشر الثقافة البيئية، وتعزيز الوعي القانوني بحقوق المرأة في بيئة سليمة، وبناء شراكات عربية وإقليمية تسهم في تبادل الخبرات وأفضل الممارسات في مجال العدالة المناخية.

إن المستقبل لن يُقاس فقط بقدرة الدول على خفض الانبعاثات الكربونية، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان، وتحقيق العدالة بين الفئات الاجتماعية، وضمان ألا تتحول التغيرات المناخية إلى مصدر جديد للفقر وعدم المساواة والإقصاء.

*توصيات*
إن بناء استجابة عربية فعالة للتغيرات المناخية يقتضي:
– تطوير تشريعات وطنية تراعي البعد المناخي وحقوق المرأة بصورة متكاملة.
– توسيع مشاركة المرأة في صنع القرار البيئي والمناخي على المستويات الوطنية والمحلية.
– دعم المشروعات الريادية للنساء في مجالات الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة والإدارة المستدامة للموارد.
– تعزيز برامج التوعية البيئية داخل المؤسسات التعليمية والإعلامية مع التركيز على النساء والشباب.
– إنشاء شبكات عربية للتعاون في مجال العدالة المناخية وتبادل الخبرات بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني.
– تعزيز البحث العلمي والدراسات القانونية التي تتناول العلاقة بين التغير المناخي وحقوق الإنسان والنوع الاجتماعي.

إن حماية البيئة لم تعد قضية تخص وزارات البيئة وحدها، بل أصبحت مسؤولية قانونية وأخلاقية ومجتمعية مشتركة. كما أن تمكين المرأة في مواجهة التغيرات المناخية يمثل استثمارًا في أمن المجتمعات واستقرارها ومستقبل أجيالها. ومن هنا، فإن بناء سياسات مناخية عادلة وشاملة، تستند إلى سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، سيظل الطريق الأكثر استدامة لتحقيق التنمية في الوطن العربي، وتقديم نموذج إقليمي قادر على مواجهة تحديات المستقبل بثقة وكفاءة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights