ديون المواقف .. ديون لا تُسدَّد بالمال
محمد بن سعيد العلوي
هناك ديونٌ من نوعٍ آخر، لا تُكتب في دفاتر الحسابات، ولا تُسجَّل في سجلات البنوك، ولا تُسدَّد بالمال مهما بلغت قيمته، إنها ديون المواقف.
ديونٌ تُكتب في القلب، وتُحفظ في الذاكرة، وتبقى شاهدة على معدن الإنسان وأصالته. هي ديون من وقف إلى جوارك عندما أدارت لك الحياة ظهرها، ومن مدّ يده إليك وأنت في أمسّ الحاجة إليها، ومن قال لك كلمة طيبة عندما كانت الكلمات القاسية تنهال عليك من كل جانب، ومن دافع عنك في غيابك، وحفظك في ظهرك، ورفض أن يسمح لأحد أن ينال منك وأنت بعيد.
هناك أناسٌ قد تنسى كم أعطوك من المال، لكنك لا تنسى أبدًا أنهم أعطوك من وقتهم، ومن جهدهم، ومن دعائهم، ومن محبتهم، ومن ثقتهم، ومن مواقفهم النبيلة ما لا يمكن للمال أن يشتريه.
ففي الحياة، ليست كل الخسائر خسائر مال، وليست كل الأرباح أرصدة في البنوك. هناك رصيدٌ آخر أكثر قيمة، اسمه رصيد الوفاء، وهناك ثروة لا تُقاس بعدد الممتلكات، وإنما بعدد القلوب التي تحبك بصدق، وعدد الأشخاص الذين تستطيع أن تقول عنهم: “كانوا معي عندما احتجت إليهم”.
ولعل أجمل ما في المواقف أنها تكشف لنا الناس على حقيقتهم.
ففي أيام الرخاء، قد تجد حولك عشرات الأشخاص، يشاركونك الضحكات، ويتسابقون إلى مجالستك، ويظهرون لك من الود ما يجعلك تظن أن الدنيا كلها أصدقاء. لكن عندما تأتي المحنة، وتضيق الدائرة، وتتغير الظروف، وتحتاج إلى موقف لا إلى كلمة، وإلى فعل لا إلى مجاملة، ستكتشف أن كثيرين ممن كانوا حولك لم يكونوا معك، بل كانوا فقط حولك.
وعندها تعرف أن الصديق الحقيقي ليس من يكثر من الحديث عن الوفاء، وإنما من يمارسه عندما يحين وقت الاختبار.
قد يأتيك يومٌ تنكسر فيه، فلا تحتاج إلى من يسألك: ماذا حدث؟ بل تحتاج إلى من يجلس بجانبك دون أن يكثر عليك الأسئلة.
وقد تمر بظرفٍ صعب، فلا تحتاج إلى عشرات الاتصالات، وإنما تحتاج إلى شخص واحد يقول لك: “أنا معك، لا تحمل همًا، لن أتركك وحدك.”.
وقد تتعرض للظلم، فتجد كثيرين يفضلون الصمت، لأن الوقوف مع المظلوم قد يكلفهم شيئًا من راحتهم، ثم يظهر من بين الجميع إنسان واحد يقول كلمة حق، ويدافع عنك وأنت غائب، ويرفض أن يسمح للباطل أن يمر، حتى وإن لم يكن له مصلحة في ذلك.
ذلك الإنسان لن تنساه.
قد تنسى تفاصيل كثيرة مرت بك في حياتك، لكنك لن تنسى أبدًا من وقف معك في أصعب أيامك .. وهنا تكمن عظمة ديون المواقف.
أتذكرون ذلك الصديق الذي كان معكم في بداية الطريق، عندما لم تكن تملكون شيئًا؟ ذلك الذي آمن بكم قبل أن يعرفكم الآخرون؟ ذلك الذي شجعكم عندما كان الجميع يقلل من أحلامكم؟ ذلك الذي قال لكم: “ستصلون”، بينما كانت الظروف كلها تقول عكس ذلك؟
هذا الإنسان له دين في أعناقنا.
وقد لا يكون قد أعطانا ريالًا واحدًا، لكنه أعطانا شيئًا أعظم؛ أعطانا الثقة .. والثقة أحيانًا أغلى من المال.
وهناك من وقف معك في لحظة مرض، فكان يسأل عنك كل يوم، ويطمئن عليك، ويدعو لك، ويشعرك أنك لست وحدك في هذه الدنيا. وهناك من وقف معك في وفاة عزيز، فحضر إلى جانبك، وتحمل عنك بعض ألمك، وشاركك حزنك، ولم يكتفِ برسالة عابرة أو كلمات محفوظة.
وهناك من وقف معك في أزمة مالية، فلم يسألك لماذا وصلت إلى هذا الحال، ولم يذكّرك بأخطائك، ولم يشعرك بالحرج، وإنما قال لك: “ماذا تحتاج؟”
وهناك من وقف معك عندما أخطأت، فلم يصفق لخطئك، لكنه لم يتخلَّ عنك أيضًا. نصحك، وعاتبك، وأخذ بيدك، وقال لك: “أنت أفضل من هذا.” وهذا أيضًا موقف لا يُنسى.
فالوفاء ليس أن تقف مع الإنسان عندما يكون على حق فقط، بل أن تقف معه لتساعده على العودة إلى الحق عندما يخطئ.
ومن أعظم صور الوفاء أن تحفظ للناس فضلهم، حتى بعد أن تنتهي حاجتك إليهم.
فكم من إنسانٍ كان يبحث عن شخصٍ ما عندما كان محتاجًا إليه، فلما تحسنت ظروفه، واستقرت حياته، وأصبح في مكان أفضل، نسي الذين كانوا معه في البدايات!
وكم من إنسانٍ صعد السلم، ثم نسي من مدّ له يده في أول درجة!
وكم من شخصٍ تغيرت مكانته، فتغيرت معها ذاكرته، فأصبح يتصرف وكأن حياته بدأت يوم أصبح مهمًا، متناسيًا كل الذين صنعوا معه البدايات! .. لكن الكريم الأصيل لا ينسى.
قد تتغير الظروف، وتتبدل المناصب، وتتسع العلاقات، وتكبر الأسماء، لكن الإنسان الوفي يبقى وفيًا.
فالأصالة ليست في أن تعرف الناس عندما تحتاج إليهم، وإنما في أن تتذكرهم عندما لا تعود بحاجة إليهم.
والوفاء ليس أن ترد الجميل بالطريقة نفسها، فقد لا تستطيع، وإنما أن تحفظ الجميل في قلبك، وأن تردّه عندما تسنح لك الفرصة.
قد لا تستطيع أن ترد المال الذي أعطاك إياه شخص، لكنك تستطيع أن تقف معه عندما يحتاجك.
قد لا تستطيع أن تعوض إنسانًا عن وقوفه بجانبك في محنتك، لكنك تستطيع ألا تتخلى عنه عندما تأتي محنته.
قد لا تستطيع أن تنسى موقفًا جميلًا صنعه أحدهم من أجلك، لكنك تستطيع أن تصنع موقفًا أجمل من أجله.
وهكذا تستمر الحياة.
مواقف تُورث مواقف.
ووفاء يُقابل بوفاء.
وخيرٌ يُرد بخير.
وقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.
إنها قاعدة عظيمة في الحياة، وإن كان الإنسان لا يستطيع دائمًا أن يرد الجميل لمن أحسن إليه، فعليه على الأقل ألا يكون جاحدًا.
فالجاحد لا يخسر الناس فقط، بل يخسر نفسه أيضًا؛ لأن من اعتاد إنكار فضل الآخرين، سيأتي يوم يجد نفسه وحيدًا، لا يثق به أحد، ولا يأمن الناس جانبه.
ولذلك كان الوفاء من أعظم صفات الرجال.
والرجال الحقيقيون لا تقاس قيمتهم بكثرة كلامهم، ولا بما يملكونه من مال أو جاه أو منصب، وإنما تقاس قيمتهم بالمواقف التي سجلتها الحياة لهم.
في زمن الشدة، يظهر الصديق.
وفي زمن الحاجة، يظهر الكريم.
وفي زمن الخوف، يظهر الشجاع.
وفي زمن الظلم، يظهر صاحب المبدأ.
وفي زمن المصلحة، يظهر صاحب الوفاء.
وفي زمن التغير، يظهر من بقي ثابتًا.
ولعل من أقسى المواقف التي قد يعيشها الإنسان أن يكتشف أن شخصًا كان يظنه سندًا له، لم يكن كذلك، وأن شخصًا كان يظنه صديقًا، لم يكن سوى عابر طريق، وأن إنسانًا كان يثق به، باع كل سنوات العشرة عند أول اختبار.
لكن حتى هذه المواقف، رغم ألمها، تحمل لنا درسًا عظيمًا.
فهي تعلمنا ألا نقيس الناس بما يقولونه، بل بما يفعلونه.
فالكلمات سهلة، وكل إنسان يستطيع أن يقول: “أنا معك”، لكن القليلين فقط هم الذين يثبتون ذلك عندما يصبح الوقوف إلى جانبك مكلفًا.
والكل يستطيع أن يبتسم لك عندما تكون في قمة نجاحك، لكن القليل هو من يفرح لك من قلبه دون حسد.
والكل يستطيع أن يجلس بجوارك في الفرح، لكن من يجلس بجوارك في الحزن هو الذي يستحق أن تسميه صديقًا.
ولذلك، لا تنسوا أصحاب المواقف.
لا تنسوا من وقف معكم في بداية الطريق.
لا تنسوا من ساندكم عندما كنتم في أمسّ الحاجة إلى السند.
لا تنسوا من دافع عنكم في غيابكم.
لا تنسوا من ستر عيوبكم، وحفظ أسراركم، ونصحكم بصدق.
لا تنسوا من فرح لفرحكم دون أن ينتظر منكم شيئًا.
لا تنسوا من دعا لكم في ظهر الغيب.
لا تنسوا من كان معكم عندما لم يكن معكم أحد.
هؤلاء لهم مكان مختلف في القلب.
هؤلاء لا تُسقطهم الأيام من الذاكرة.
هؤلاء لا ينبغي أن يكونوا مجرد أسماء في سجل الماضي.
فإذا دارت الأيام، وأصبحتم في موقع يمكنكم فيه رد الجميل، فلا تترددوا.
وإذا احتاجكم صاحب موقف قديم، فلا تجعلوا انشغالات الحياة عذرًا.
وإذا رأيتم من وقف معكم يومًا يمر بضيق، فكونوا أول من يقف إلى جانبه.
فالحياة قصيرة، والأيام دول، ومن يدري؟ قد يأتي اليوم الذي تحتاج فيه إلى ذلك الموقف الذي صنعته بالأمس.
وليس المقصود من الوفاء أن يعيش الإنسان أسيرًا للماضي، بل أن يكون صاحب مبدأ لا ينسى المعروف.
أن تعرف أن الإنسان الذي مدّ يده إليك يوم كنت تحتاجها، يستحق منك أن تمد يدك إليه عندما يحتاجها.
وأن من وقف معك في صفوف الشدة، لا يجوز أن تتركه وحيدًا عندما تتبدل الأحوال.
إن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحيله ليس كثرة الأموال، ولا المناصب، ولا المظاهر، وإنما سيرة طيبة ومواقف نبيلة وقلوب تدعو له بالخير.
فكم من إنسان رحل عن الدنيا، لكنه ما زال حاضرًا في ذاكرة من عرفوه، لأنهم يتذكرون له موقفًا لا يُنسى.
وكم من شخص لم يكن غنيًا، لكنه كان كريم الموقف، فترك أثرًا لا يمحى.
وكم من إنسان لم يكن صاحب منصب، لكنه كان صاحب مبدأ، فاحترمه الناس في حياته، وترحموا عليه بعد رحيله.
إن أعظم إرث يمكن أن يتركه الإنسان هو أن يقول عنه الناس بعد غيابه:
“كان رجل مواقف.”
هذه العبارة وحدها قد تساوي عمرًا كاملًا.
فيا من وقفت مع إنسان في ضعفه، لا تندم.
ويا من حفظت معروفًا، لا تتغير.
ويا من رددت الجميل، فهنيئًا لك.
ويا من نسيت فضل من أحسن إليك، تذكر أن الأيام لا تثبت لأحد، وأن ما أنت فيه اليوم قد لا يبقى لك غدًا.
فلا تجعل نجاحك سببًا لنسيان من أعانك.
ولا تجعل منصبك سببًا لتجاهل من وقف معك.
ولا تجعل المال سببًا لاحتقار من كان فقيرًا بالأمس، فقد يكون هو نفسه من أغناك بموقف لا يقدر بثمن.
وفي النهاية، ستبقى الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان:
هناك ديون تُسدَّد بالمال، وتنتهي بمجرد دفعها، وهناك ديون أخرى لا تسقط بالتقادم، لأنها كُتبت بماء الوفاء على صفحات القلب.
إنها ديون المواقف.
دين من وقف معك.
دين من ساندك.
دين من حفظك.
دين من دافع عنك.
دين من آمن بك.
دين من لم يتخلَّ عنك عندما تخلى عنك الآخرون.
وهذه الديون لا تحتاج إلى خزائن ولا إلى أموال، وإنما تحتاج إلى وفاء.
فإذا استطعت يومًا أن ترد جميلًا، فردّه.
وإذا عجزت، فلا تنكره.
وإذا لم تستطع أن ترد الموقف بموقف، فاحفظه في قلبك، واذكره لصاحبه بالخير.
فإن بعض الناس لا يحتاجون منك شيئًا سوى أن يعرفوا أنك لم تنسَ.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن نقول:
لا تنسَ صاحب موقف، ولا تجحد صاحب فضل، ولا تتخلَّ عن إنسان وقف معك في يومٍ لم يكن فيه لك بعد الله سواه؛ فالأيام تتغير، والظروف تتبدل، لكن الرجال الحقيقيين تبقى مواقفهم شاهدة عليهم، وتبقى ديونهم في أعناقنا ما بقي فينا قلب يعرف معنى الوفاء.



