مقالات صحفية

التدريب… حين يتحول إلى ثقافة مؤسسية لحماية حقوق الإنسان

(الجزء الثالث)

م.م. حيدر جاسب عريبي البهادلي ـ  باحث دكتوراه في القانون العام – مدرب دولي في القانون الدولي وحقوق الإنسان

بعد أن تناولنا في الجزئين السابقين أهمية التدريب بوصفه الضمانة العملية لتفعيل حقوق الإنسان، ودوره في بناء مؤسسات أكثر كفاءة ونزاهة، تبرز اليوم قضية لا تقل أهمية، وهي: كيف يمكن أن يتحول التدريب من نشاط موسمي إلى ثقافة مؤسية مستدامة؟

إن كثيرًا من المؤسسات تنظم عشرات الدورات التدريبية سنويًا، وتنفق عليها موارد مالية وبشرية كبيرة، لكنها لا تحقق التغيير المنشود في الأداء. والسبب في ذلك أن التدريب غالبًا ما يُنظر إليه باعتباره حدثًا ينتهي بانتهاء البرنامج، لا عملية مؤسية مستمرة تبدأ بتحديد الاحتياجات، وتمر بالتنفيذ، ولا تنتهي إلا بقياس الأثر وإدماج نتائج التدريب في السياسات الإدارية.

ولهذا لم تعد المؤسسات الحديثة تقيس نجاح برامجها بعدد المشاركين أو الشهادات الممنوحة، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير حقي في جودة الخدمات، ومستوى الالتزام بالقانون، وانخفاض الشكاوى، وتحسن كفاءة الأداء، وارتفاع ثقة المجتمع بالمؤسسة.

وفي مجال حقوق الإنسان، يصبح هذا الأمر أكثر أهمية؛ لأن الغاية ليست زيادة المعلومات القانونية لدى الموظف، وإنما تغيير طريقة اتخاذ القرار الإداري. فالموظف الذي يتعامل مع المواطن بروح القانون يختلف عن الموظف الذي يكتفي بتطبيق النصوص بصورة جامدة. والأول هو نتاج ثقافة مؤسسية، لا مجرد دورة تدريبية.

ومن هنا، فإن بناء ثقافة حقوق الإنسان داخل المؤسسات يتطلب أن يصبح التدريب جزءًا من منظومة الإدارة، وأن يرتبط بالتقييم الوظيفي، والتطوير المهني، والترقية، وتخطيط الموارد البشرية. فكل موظف ينبغي أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بالحقوق الأساسية المرتبطة بطبيعة عمله، وأن يخضع بصورة دورية لبرامج تطوير تتناسب مع المتغيرات التشريعية والإدارية.

كما أن نجاح التدريب يعتمد على ارتباطه بالواقع العملي. فالدورات التي تعتمد على المحاضرات التقليدية وحدها لم تعد كافية في ظل التعقيدات التي تواجه الإدارة العامة. أما التدريب القائم على دراسة الحالات الواقعية، والمحاكاة، وتحليل القرارات، والتدريب التفاعلي، فإنه يترك أثرًا أعمق وأكثر استدامة، لأنه ينقل المتدرب من مرحلة المعرفة إلى مرحلة الممارسة.

ولا يقتصر الأمر على الموظفين المدنيين، بل يمتد إلى القضاة، وأعضاء الادعاء العام، وأجهزة إنفاذ القانون، والمعلمين، والإعلاميين، والعاملين في القطاع الصحي، إذ إن لكل فئة دورًا مباشرًا في حماية حقوق الإنسان، وكل قرار يصدر عنها قد يعزز هذه الحقوق أو ينتقص منها.

كما أن التطور الرقمي والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يفرضان تحديات جديدة تستوجب تحديث محتوى التدريب باستمرار. فحماية الخصوصية، وأمن البيانات، وعدم التمييز في استخدام التقنيات الحديثة، أصبحت جميعها موضوعات لا يمكن فصلها عن منظومة حقوق الإنسان، وهو ما يتطلب إعداد كوادر تمتلك المعرفة القانونية والقدرة التقنية في آن واحد.

ومن المؤشرات المهمة على نضج المؤسسات قدرتها على التعلم من أخطائها. فكل شكوى أو ملاحظة أو حالة انتهاك ينبغي أن تتحول إلى فرصة لتطوير البرامج التدريبية، وليس إلى مجرد ملف يُغلق بعد انتهاء التحقيق. فالمؤسسة التي تتعلم باستمرار هي المؤسسة الأقدر على منع تكرار الأخطاء، وتحسين جودة خدماتها، وتعزيز ثقة المجتمع بها.

وتؤكد التجارب الدولية أن المؤسسات التي تجعل التدريب جزءًا من ثقافتها التنظيمية تكون أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات، وأكثر استعدادًا لإدارة الأزمات، وأسرع في تطوير خدماتها، لأن رأس مالها الحقيقي ليس في المباني أو التقنيات، وإنما في الإنسان المؤهل القادر على اتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب.

وفي سلطنة عُمان، حيث تتواصل جهود تطوير الجهاز الإداري للدولة، وتعزيز جودة الخدمات العامة، فإن الاستثمار في التدريب الحقوقي يمثل رافدًا مهمًا لدعم هذه المسيرة، ويسهم في ترسيخ مبادئ سيادة القانون، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، وتعزيز ثقة المجتمع بالمؤسسات الوطنية، بما ينسجم مع النهج العُماني في بناء الإنسان بوصفه محور التنمية وأساس استدامتها.

إن ثقافة حقوق الإنسان لا تُفرض بقرار إداري، ولا تُبنى بمحاضرة واحدة، وإنما تنمو بالتدريب المستمر، والقيادة الواعية، والقدوة الحسنة، والتقييم الموضوعي، والمراجعة الدائمة. وعندما يصبح التعلم المؤسسي جزءًا من هوية المؤسسة، يتحول احترام حقوق الإنسان من التزام قانوني إلى قيمة راسخة تحكم الأداء اليومي.

فالدول التي تريد مستقبلًا أكثر استقرارًا وعدالة لا يكفيها أن تكتب أفضل القوانين، بل عليها أن تبني الإنسان الأفضل القادر على تنفيذها. وعندها فقط يصبح التدريب ليس مجرد وسيلة للتطوير، بل ثقافة تصنع المؤسسات، وتحمي الحقوق، وترسخ دولة القانون.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights