مقالات صحفية

ومضات من القيادة التمكينية

 يوسف بن عبيد الكيومي

يتسم العالم المعاصر بالكثير من التغيرات المتلاحقة والمستمرة، مما يزيد من الضغوط والتحديات التي تواجه المنظمات والعاملين فيها على حد سواء. ومع مستجدات الأعمال، وتطور الرؤى الإدارية والفنية، وتزايد التحديات، أصبح العمل في أي منظمة يتطلب البحث عن أنماط قيادية جديدة تنقل فرق العمل من الروتين والأساليب التقليدية إلى نمط يركز على تطوير المهارات والقدرات القيادية لدى الأفراد.

ومن هنا برز نمط القيادة التمكينية، متجاوزًا الشكل التقليدي القائم على احتكار السلطة والسيطرة في يد القائد، شأنه في ذلك شأن كثير من الأنماط القيادية الحديثة.

وتُعد القيادة التمكينية من المصطلحات الحديثة التي حظيت باهتمام كبير في مختلف مجالات الإدارة. وتعود جذورها التأسيسية إلى بدايات أفكار التمكين الإداري بين عقدي الثلاثينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ثم تبلورت كمصطلح علمي في أوائل تسعينيات القرن العشرين، لتشهد بعد عام 2000م طفرة أكاديمية كبيرة، مع ظهور العديد من النظريات والأبحاث العلمية التي تناولت هذا النمط القيادي بصورة واسعة.
وتُعرَّف القيادة التمكينية بأنها: “مجموعة من سلوكيات القائد التي تقوم على تقاسم السلطة، ومنح مزيد من الاستقلالية والمسؤوليات للأفراد أو الفرق أو المجموعات، بما يعزز الدافعية الداخلية ويسهم في تحقيق النجاح في العمل.” (تشيونغ وآخرون، 2019، ص37).

وتتجلى أهمية القيادة التمكينية في قدرتها على دعم إدارة التغيير داخل المنظمات؛ إذ تسهم في استشراف البيئة الداخلية والخارجية وقراءتها بعناية، بما يساعد على وضع رؤية ملهمة تهيئ الظروف المناسبة للعمل، مع مراعاة التنوع الاجتماعي والثقافي للعاملين، من خلال الحوار البنّاء والتعاون المثمر بين القيادات والعاملين.

كما تسهم في إيجاد مناخ تنظيمي يعتمد على العمل الجماعي، من خلال تعزيز الرضا الوظيفي، والتحفيز، ورفع مستويات الدافعية، بما ينعكس إيجابًا على أداء المنظمة.

وتبرز أهميتها كذلك في توسيع دائرة المشاركة في صنع القرار، وتبادل الأفكار والآراء، بما يعزز شعور العاملين بالانتماء إلى المنظمة، ويؤكد ثقة القيادة بكفاءاتهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية.

وعلى المستوى الوطني في سلطنة عُمان، برزت القيادة التمكينية بوصفها أحد المرتكزات الداعمة للتحول المؤسسي وتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040، من خلال دعم الابتكار، وتفويض الصلاحيات، والارتقاء بالكفاءات عبر برامج متخصصة لتأهيل القيادات الإدارية في مختلف القطاعات.

ومن أبرز المجالات التي جسدت هذا التوجه مجموعة من البرامج الوطنية الهادفة إلى تنمية قدرات الشباب العُماني وإعدادهم لتولي الأدوار القيادية، ومن ذلك البرنامج الوطني للتطوير القيادي.

كما برزت القيادة التمكينية في المجال التربوي من خلال العديد من الدراسات العليا التي تناولت ممارسات مديري المدارس الحكومية، وأظهرت أثرها الإيجابي في رفع مستوى أداء أعضاء الهيئة التعليمية، وتحسين جودة التعليم، سواء في التعليم الحضوري أو الإلكتروني.

وفي المجال الأكاديمي، أكدت العديد من الدراسات التي أجريت في جامعات سلطنة عُمان وجود علاقة إيجابية بين تطبيق القيادة التمكينية ومستويات الإبداع والتجديد لدى العاملين، بما يعزز أثرها في تطوير الأداء المؤسسي.

وفي الختام، فإن القيادة التمكينية تقدم حلولًا عملية ومستدامة، لأنها تقوم على غرس الثقة في العاملين، وإعداد قيادات جديدة قادرة على تحمل المسؤولية. فبناء القادة إرثٌ ينبغي استثماره في الحاضر والمستقبل، لضمان قدرة المنظمات على مواكبة المتغيرات. ففوِّض اليوم من تثق بكفاءته، وسترى غدًا كيف يتطور فريقك ويتألق.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights