مقالات صحفية

الإيكيجاي العُماني : فلسفة الحياة بين أوكيناوا ونزوى

نعمة بنت سعيد بن هلال الكندية

في غرفة المعيشة تبادر إلى ذهني سؤال، حين وقعت عيني على كتاب (الإيكيجاي) في مكتبتي المنزلية، التي هجرتها منذ أشهر، وقد كنت قرأته قبل أكثر من خمس سنوات:
هل حقًا تستمر حيوية اليابانيين حتى أعمارهم المئوية بفضل فلسفة الإيكيجاي؟ يزرعون، ويضحكون، ويخططون للغد، وماذا عن (شيابنا) الذين كانوا يعيشون بالطريقة نفسها دون أن يعرفوا كلمة (إيكيجاي)؟
في الخامسة صباحًا يخرج هارتو، التسعيني، إلى حديقته المطلة على شارع الحي القروي في أوكيناوا، يقلم أشجار البرتقال، ويتبادل الحديث مع جاره هيناتا. ولم يكن الأمر مجرد مصادفة للاستيقاظ المبكر، وإنما أسلوب حياة يستمتع به هارتو وأقرانه كل يوم على أرصفة القرية وحدائقها المجاورة، من أجل الترتيب والتنظيف وتقليم الأشجار، ثم الاجتماع بمجموعات الموأي (Moai) الداعمة لأنشطتهم.

وعلى بعد آلاف الأميال، في حارة السويق المحاذية لوادي السوق في نزوى، يمشي بخطوات ثابتة المعلم سليمان عند الثالثة فجرًا، بعد أن أنهى ركعتي القيام، متجهًا إلى ساقية فلج الحارة (السافل) لتغيير مجرى المياه نحو مزارع النخيل الخاصة به؛ إذ جاء دوره في سقي نخيله في ذلك التوقيت، وفق الاتفاق المتبع بين أبناء المنطقة. وما إن ينتهي حتى يتوجه مباشرة لرفع أذان الفجر، ثم يعود -بعد السلام على أهالي الحي في المسجد والإفطار- إلى السبلة، ليبدأ حلقة القرآن وشرح كتاب تلقين الصبيان.

ليس التشابه بين النموذجين عابرًا في تفاصيل الحياة اليومية، بل هو تقاطع عميق في معنى الشيخوخة ودور الإنسان في المجتمع؛ فاختلاف المكان والعادات لا يلغي وحدة الحاجة الإنسانية إلى الغاية، والانتماء، والحضور الفاعل.
ومن هنا يكتسب مفهوم الإيكيجاي أهميته؛ لأنه لا يختزل في طول العمر، بل يشير إلى ذلك المعنى الذي يمنح الإنسان سببًا للنهوض كل صباح، ويجعله يشعر بأن حياته ما زالت متصلة بالآخرين وذات قيمة لديهم.

وقد أظهرت الدراسات اليابانية الحديثة أن الإحساس بالهدف، واستمرار المشاركة الاجتماعية، والمحافظة على العلاقات الإنسانية، ترتبط جميعها بمستويات أفضل من الرفاه النفسي لدى كبار السن. كما تشير الأبحاث إلى أن غياب المعنى والعزلة الاجتماعية قد يضعفان شعور الإنسان بقيمته، حتى في ظل توافر الرعاية الصحية. وهذا يعني أن الشيخوخة الصحية لا تُبنى بالدواء والفحص وحدهما، وإنما تحتاج أيضًا إلى دور اجتماعي، وعلاقات مستقرة، وإحساس متجدد بالجدوى.

وفي أوكيناوا لم يكن الإيكيجاي تجربة فردية خالصة، بل ارتبط ببنية اجتماعية داعمة، من أبرز صورها جماعات الموأي، التي تقوم على الصحبة الطويلة، والمساندة المتبادلة، والالتزام المستمر بين أفرادها. وتكمن أهمية هذه الروابط في أنها تحمي كبير السن من الانقطاع الاجتماعي، وتجعله جزءًا من شبكة حية من العلاقات والمسؤوليات.
وعند النظر إلى المجتمع العُماني التقليدي نجد أن وظائف اجتماعية مشابهة كانت حاضرة بصيغ محلية أصيلة؛ فالسبلة لم تكن مجرد مكان للقاء، بل فضاءً للتشاور، وحل الخلافات، وتبادل الخبرات، وحفظ مكانة كبار السن. والأسرة الممتدة لم تكن إطارًا سكنيًا فقط، بل شبكة اجتماعية تضمن استمرار الدور، وانتقال المعرفة، والشعور بالانتماء. أما الفلج فلم يكن قناة للمياه فحسب، بل نظامًا اجتماعيًا قائمًا على التنظيم، والعدالة، والتعاون، وتقاسم المسؤوليات.

ولهذا فإن الحديث عن الإيكيجاي العُماني لا يعني الادعاء بأن التجربتين متطابقتان، بل يعني اكتشاف جوهر إنساني مشترك بينهما. ففي كلتا الحالتين لم يكن كبير السن يُنظر إليه باعتباره متلقيًا للرعاية فقط، بل بوصفه حاملًا للخبرة، ومرجعًا اجتماعيًا، وشريكًا في استمرار الحياة اليومية.
وتضيف الدراسات العُمانية بعدًا أكثر خصوصية إلى هذا الطرح؛ إذ تشير إلى أن كبار السن في السلطنة يستمدون جانبًا مهمًا من قوتهم النفسية من العلاقات الأسرية، والمرونة التي راكموها عبر تجارب الحياة، وقدرتهم على تفسير التحولات التي شهدوها. وهذه النتائج تنسجم مع طبيعة الجيل الحالي من كبار السن؛ فهو جيل لم يعش الماضي فقط، بل شارك أيضًا في بناء الحاضر.
إن كبار السن في عُمان اليوم يمثلون جيلًا فريدًا؛ فقد عرفوا المجتمع التقليدي، ثم أسهموا في تأسيس الدولة الحديثة. وانتقلوا من أنماط الحياة البسيطة إلى المؤسسات النظامية، وعملوا في بدايات التعليم، والصحة، والإدارة، والخدمات، ووضعوا القواعد التي وجدها الأبناء من بعدهم مستقرة وجاهزة. ولهذا فإنهم ليسوا مجرد شهود على التحول، بل صُنَّاعه الأساسيون.
ومن هنا لا ينبغي أن تقتصر رعايتهم على الجانب الصحي أو المعيشي، بل يجب أن تشمل الحفاظ على أدوارهم المعرفية والاجتماعية. فالتكريم الحقيقي لا يكون بعزل كبير السن في مساحة الراحة، بل بإبقائه حاضرًا في المجتمع، مشاركًا بخبرته، وقادرًا على العطاء بالصورة التي تناسب مرحلته العمرية.

إن الإيكيجاي العُماني الذي نحتاج إليه اليوم لا يقوم على استنساخ النموذج الياباني، ولا على إعادة إنتاج الماضي كما كان، بل على استلهام القيم التي منحت ذلك الماضي تماسكه، ثم إعادة صياغتها بما يلائم الحاضر والمستقبل. فبدلًا من السبلة التقليدية يمكن إنشاء مجالس معرفة حديثة تؤدي الفكرة نفسها، وبدلًا من الاقتصار على دور العمل الرسمي يمكن فتح مجالات للاستشارة، والتطوع، والإرشاد، ونقل الخبرات بين الأجيال.

وبذلك يصبح الإيكيجاي العُماني مشروعًا اجتماعيًا معاصرًا، لا يخدم كبار السن الحاليين فقط، بل يهيئ أيضًا الجيل الذي يتقدم اليوم نحو الشيخوخة. فالسؤال لم يعد: كيف نطيل عمر الإنسان؟ بل: كيف نحافظ، مع امتداد العمر، على المعنى، والدور، والانتماء؟

ولا يتطلب بناء إيكيجاي عُماني إنشاء مؤسسات ضخمة أو تخصيص ميزانيات خيالية، بقدر ما يتطلب إعادة توجيه ما هو قائم، واستثمار الطاقات البشرية المتوافرة. فقد يبدأ ذلك بتخصيص لقاءات دورية في المجالس والمراكز المجتمعية ينقل فيها كبار السن خبراتهم إلى الشباب، وإشراك المتقاعدين في برامج الإرشاد والتطوع، والاستفادة من أصحاب الحرف والخبرات في تدريب الأجيال الجديدة، وتشجيع المبادرات المحلية التي تعزز المشاركة الاجتماعية والنشاط البدني بما يتناسب مع قدرات كبار السن .. فمثل هذه المبادرات لا تمثل عبئًا اقتصاديًا، بل تحقق عائدًا اجتماعيًا وإنسانيًا كبيرًا؛ لأنها تعيد لكبير السن شعوره بدوره ومكانته، وتمنح المجتمع فرصة للاستفادة من رصيد معرفي وخبرات تراكمت عبر سنوات طويلة من العمل والبناء.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights