مقالات صحفية

بين الحقيقة والانطباع

د. طالب بن خليفة الهطالي

أعقد ما يواجه الإنسان في الحياة ليس العالم من حوله، بل العالم الكامن في داخله، ثم ذلك العالم الذي لا يراه كاملا في الآخرين. وبين هذين العالمين تتشكل العلاقات، وتتبدل مسافاتها بين القرب والابتعاد والثقة والريبة والإنصاف والظلم، وليس ما يربك هذه العلاقات قسوة الحقيقة دائما، بل الطريقة التي نفهم بها الحقيقة؛ فقد نقرأ الوقائع بعجلة ونمنح الانطباع سلطة الحكم، ثم نبني موقفا كاملا على معنى ناقص، ونحمّل الحقيقة ما لم تقله.
لا ريب إن الإنسان كائن مركب لا تحكمه المصلحة وحدها ولا العاطفة وحدها ولا العقل وحده، بل تتداخل فيه الفطرة والتجربة والضمير والهوى والحاجة والكرامة، ولذلك فإن فهمه يحتاج إلى ميزان يجمع بين العقل والرحمة والتثبت والعدل، وبين حسن الظن وحفظ الحدود وليس المقصود من هذا المقال محاكمة البشر، ولا تصويرهم في صورة مثالية أو قاتمة، وإنما فهمهم كما هم، بشر يخطئون ويصيبون ويصدقون ويضعفون، وتحتاج العلاقة معهم إلى حكمة تحفظ القرب ووعي يحمي من سوء الظن والاستغلال والتوصيف الخاطئ.
وهذا المعنى لا يخص علاقة دون أخرى، بل يمتد من البيت إلى المجتمع، ومن الصداقة إلى الزمالة ومن الحوار العابر إلى القرار الإداري؛ فالذي يتعامل مع الناس من غير هذا الوعي قد يظلِم وهو يظن أنه يحتاط، وقد يجرَح وهو يظن أنه ينصح، وقد يستغِل وهو يظن أنه يمارس حقا مشروعا، لذلك تحتاج العلاقات إلى وعي يسبق الكلمة وإلى عدل يسبق الحكم وإلى رحمة تمنع المعرفة من أن تتحول إلى قسوة.
وأول خطأ في فهم الناس أن نظن أنهم يرون الحياة كما نراها، ويفكرون بالطريقة التي نفكر بها ويزنون المواقف بميزاننا نحن، ومن هنا تنشأ المسافة بين الحقيقة والانطباع، وبين الإنسان كما هو والإنسان كما رسمته توقعاتنا؛ فالناس ليسوا نسخا مكررة ولا قوالب متشابهة، بل هم حصيلة تربية وتجربة وبيئة وقيم ومواقف لا يراها الآخرون كلها.
ولذلك يختلف الناس في التفكير والانفعال والتعبير وترتيب الأولويات وتفسير الأحداث، وما يبدو لنا موقفا عابرا قد يكون عند غيرنا امتدادا لتجربة قديمة أو خوفا دفينا أو معنى لم ننتبه إليه، لذلك جعل القرآن هذا الاختلاف مدخلا للتعارف لا للتنازع فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13) كما يؤكد علم الشخصية أن السمات الفردية والخبرة والسياق الاجتماعي تؤثر في طريقة إدراك الإنسان للمواقف واستجابته لها. ومن هنا لا يبدأ الإنصاف بسؤال ماذا أظن به، بل بسؤال أعدل، هل رأيته كما هو أم كما صنعته مخاوفي وتوقعاتي. لأن الحكم على الناس لا يستقيم إذا كان مبنيا على مرآة الذات وحدها. وقد قال زهير بن أبي سلمى في معنى ظهور الطبائع مع الزمن:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة:::: وإن خالها تخفى على الناس تعلم
فالإنسان لا يظهر كاملا في ملامحه الأولى، ولا في كلماته العابرة، ولا في موقف واحد من مواقفه.
وليست المشكلة أن يخطئ الإنسان في الحكم أحيانا، وإنما أن يتحول الخطأ إلى عادة، حين يصبح الظن أسرع من السؤال، والانطباع أقوى من الدليل، وما يسمع أرسخ في النفس مما يتحقق منه، فكم من إنسان حكم عليه من مظهره، أو من كلمة نقلت خارج سياقها، أو من موقف عابر لم يكن كافيا لمعرفة حقيقته. وهنا يصبح التثبت خلقا من أخلاق العدل لا مجرد إجراء عقلي، لأنه يحمي الإنسان من ظلم غيره كما يحمي غيره من ظلمه، وقد جاء التوجيه القرآني واضحا في هذا الباب فقال تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: 6)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: 36). وتؤكد بحوث علم النفس المعرفي أن الانحياز التأكيدي يجعل الإنسان أميل إلى البحث عما يؤيد توقعاته السابقة أو تفسير الأدلة بما يوافقها، ولذلك فإن الإنصاف لا يقوم على الشعور وحده، بل يحتاج إلى دليل وسياق وسماع وتأن قبل الحكم.
وقيل إن المصلحة جزء من الحياة ولا تستقيم شؤون الناس إلا بها، فهم يتبادلون المنافع ويتعاونون على قضاء الحاجات ويكمل بعضهم بعضا، غير أن العلاقة تفقد توازنها حين تصبح المصلحة غاية تقدم على القيم، فيتحول التعاون إلى استغلال، والثقة إلى وسيلة للانتفاع، والعطاء إلى باب يؤخذ منه دون تقدير أو إنصاف. ولا يبدأ الاستغلال غالبا بصورته الصريحة، بل يتسلل في تفاصيل صغيرة فينتقص الجهد، ويهمل الفضل وتحمل النفوس الطيبة ما لا تحمل غيرها، ويستفاد من صاحب العلم والخبرة لأنه لا يتردد في العطاء، وقد وضع القرآن ميزانا يحفظ العلاقات من هذا الخلل فقال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (الأعراف: 85) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: 58) فالعدل لا يقتصر على حفظ الأموال، بل يشمل حفظ الحقوق، والاعتراف بالجهود ونسبة الفضل إلى أهله.
هذا المعنى تؤيده نظرية التبادل الاجتماعي، إذ تنظر إلى العلاقات بوصفها قائمة على التبادل والثقة والالتزام، وأن اختلال ميزان الأخذ والعطاء يضعف استقرار العلاقة ويؤثر في استمرارها وفي بيئة العمل على وجه الخصوص، لا يكفي حسن الخلق لضمان علاقة صحية، بل لا بد أن يصاحبه وضوح في المسؤوليات وعدالة في التقدير وحدود تحمي التعاون من أن يتحول إلى استغلا، وتؤكد بحوث العدالة التنظيمية أن شعور العاملين بالإنصاف يرتبط بالثقة والرضا والالتزام داخل المؤسسات، فالإنسان لا يخسر نقاءه حين يضع الحدود، بل يحفظ نقاءه من أن يصبح سببا في إنهاكه، والطيبة لا تفقد قيمتها حين تصاحبها الحكمة، بل تصبح أقدر على البقاء وأبعد عن الاستنزاف.
وإذا كان الخلل في العلاقات يبدأ من سوء الفهم وسوء الظن وطغيان المصلحة على القيمة، فإن إصلاحه لا يكون باعتزال الناس ولا بالثقة المطلقة بهم، بل بتواصل متزن يجمع بين حسن النية وحسن التقدير وبين الرحمة والحذر وبين وضوح الكلمة وحفظ الكرامة، فالتواصل الناضج ليس كثرة كلام، بل حسن تقدير متى نتحدث وكيف نتحدث ومتى نصمت، وأين نضع الحدود، هنا أرشد القرآن إلى هذا الميزان في الخطاب والحكم في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ للِتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8) فالحكمة تضبط الكلمة والعدل يضبط الحكم، والرحمة تحفظ إنسانية العلاقة. ومن أراد علاقة أعدل وأبقى، فليمنح الاحترام للجميع، والثقة لمن يستحق، والقرب لمن أثبت وفاءه.
ونخلص أن الإنسان لا يفهم من مظهر واحد، ولا يحكم عليه بخبر عابر، ولا تبنى العلاقة معه بلا حقوق وحدود، وليست الحكمة أن نعيش بلا حذر ولا أن نعيش بلا ثقة، بل أن نجعل الحذر عقلا يحمي، والثقة مقاما يكتسب، والعدل ميزانا لا يغيب.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights