مقالات صحفية

جمال التمرد

  عادل بن حميد بن عبدالله الجامعي

بعد حديثٍ قصير دار بيني وبين أحد الأصدقاء، وجَّه إليَّ سؤالًا بدا للوهلة الأولى غريبًا، لكنه ظل يرافقني طويلًا:
كيف يمكن أن يكون التمرد جميلًا؟

توقفت قليلًا أمام السؤال. فالتمرد في وعينا الجمعي يقترن غالبًا بالرفض، والعصيان، والفوضى، والخروج على المألوف.. غير أنني شعرت أن الكلمة ربما تستحق فرصة أخرى، وأن بعض المفاهيم لا تظلمها معانيها، وإنما تظلمها الزاوية التي ننظر منها إليها. ومن هنا جاءت هذه الخواطر القصيرة، لا لتبرير التمرد، وإنما لاستكشاف وجهه الآخر؛ الوجه الذي يتحول فيه من مجرد رفض إلى بداية نمو، ومن هدم إلى بناء، ومن خروج على الواقع إلى ارتقاء بالإنسان.

فهل يمكن أن يكون للتمرد جمال؟

كلما ذُكرت كلمة التمرد، ارتسمت في الأذهان صور الصخب والرفض والصدام، حتى كأنها مرادف للفوضى أو الانفلات. غير أن الكلمات، شأنها شأن البشر، تظلمها أحيانًا الزاوية التي ننظر منها إليها. ولو أدرنا المعنى قليلًا، وتأملنا التمرد بوصفه فعلًا من أفعال الحياة، لا مجرد موقف من السلطة أو المجتمع، لاكتشفنا أن الوجود كله يبدأ بتمرد صغير. فالبذرة تتمرد على قشرة تحيط بها، فتشقها لتخرج إلى الضوء. ولو بقيت مطيعة لغلافها، لما أصبحت شجرة تظل الناس. والنهر يتمرد على الصخور التي تعترض طريقه، فلا يلعنها ولا يتوقف عندها، وإنما يلتف حولها، أو ينحتها مع الزمن، حتى يبلغ البحر. والفراشة ليست سوى يرقة تمردت على صورتها الأولى، فخرجت من شرنقتها بأجنحة لم تكن تراها وهي تزحف على الأغصان.

الطبيعة كلها تعلمنا أن الحياة لا تنمو إلا عندما ترفض الجمود. وكذلك الإنسان.. فليس كل تمرد خصومة، وليس كل رفض عنادًا.. هناك تمرد يولد من حب الحقيقة، وتمرد يولد من توق الإنسان إلى الأفضل. الطالب الذي يتمرد على الكسل، والعالم الذي يتمرد على الجهل، والفنان الذي يتمرد على القوالب الجامدة، والمصلح الذي يتمرد على الظلم.. جميعهم يختلفون في الوسائل، لكنهم يجتمعون في شيء واحد: أنهم رفضوا أن يكون الواقع هو الكلمة الأخيرة.. والأجمل من ذلك كله، التمرد على النفس.. إن أصعب الثورات ليست تلك التي تقوم في الشوارع، وإنما تلك التي تقوم في القلب. أن يتمرد الإنسان على خوفه، وعلى كسله، وعلى أنانيته، وعلى عاداته التي تقيده، فهذا لون من ألوان البطولة الهادئة التي لا تصنع ضجيجًا، لكنها تصنع إنسانًا جديدًا.

ولعل أعظم الإنجازات البشرية لم تكن إلا ثمار تمرد راقٍ. فالطيران بدأ بتمرد على فكرة أن الإنسان خُلق ليبقى على الأرض، والطب الحديث بدأ بتمرد على الاستسلام للأمراض، والاختراعات الكبرى كلها بدأت بسؤال متمرد: “ولماذا لا يكون الأمر على نحو آخر؟” من هنا يصبح الفرق بين نوعين من التمرد واضحًا.

هناك تمرد يهدم لأنه يكره، وتمرد يبني لأنه يحب.. الأول يكتفي بإسقاط القديم، أما الثاني فيزرع مكانه جديدًا أجمل وأصلح.. الأول يترك فراغًا، والثاني يترك أثرًا.. ولعل الإنسان الحكيم لا يسأل نفسه: هل أتمرد؟! وإنما يسأل: على ماذا أتمرد؟ ولأجل ماذا؟ فالتمرد على الظلم عدل، والتمرد على الجهل علم، والتمرد على الكسل عمل، والتمرد على اليأس أمل، والتمرد على الذات حين تستسلم لشهواتها هو بداية الارتقاء.. وحين نفهم التمرد بهذه الصورة، يتغير وقع الكلمة في قلوبنا.. فلا يعود التمرد مرادفًا للفوضى، بل يصبح مرادفًا للنمو.. ولا يعود خروجًا على كل نظام، بل خروجًا من كل قيد يمنع الإنسان من أن يبلغ أفضل ما يستطيع أن يكون..!

وربما لهذا السبب، فإن الحياة نفسها أجمل قصة تمرد؛ لأنها رحلة لا تتوقف عن مغادرة صورة إلى صورة أرقى، وعن ترك مرحلة من أجل أخرى أنضج. وفي كل صباح، يمنحنا الله فرصة جديدة لتمرد هادئ، لا على العالم، وإنما على النسخة التي كناها بالأمس، لنقترب خطوة أخرى من الإنسان الذي خُلقنا لنكونه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights