التدريب ـ الضمانة الغائبة لحماية حقوق الإنسان .. من النصوص إلى بناء الإنسان
"الجزء الأول"
م.م. حيدر جاسب عريبي البهادلي .. باحث دكتوراه في القانون العام – مدرب دولي في القانون الدولي وحقوق الإنسان
ليست أزمة حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين أزمة نقص في النصوص القانونية، ولا فراغاً في الاتفاقيات الدولية، ولا غياباً للمؤسسات الوطنية المعنية بحماية الحقوق والحريات. فمنذ اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، ثم العهدين الدوليين لعام 1966، وما تلاهما من اتفاقيات دولية متخصصة، شهد العالم تطوراً تشريعياً غير مسبوق في مجال حماية الإنسان. ومع ذلك ما زالت الانتهاكات تتكرر، وتتخذ صوراً جديدة، في دول تختلف في أنظمتها السياسية ومستوياتها الاقتصادية، بما يكشف أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في النصوص، بل في كيفية تطبيقها، وفي قدرة المؤسسات على تحويل المبادئ القانونية إلى واقع عملي.
ومن هنا لم يعد التدريب في مجال حقوق الإنسان نشاطاً إدارياً أو برنامجاً تعليمياً ثانوياً، بل أصبح إحدى الضمانات الأساسية لدولة القانون. فالتدريب هو الجسر الذي تنتقل عبره القواعد القانونية من صفحات التشريع إلى سلوك الموظف، ومن النصوص المجردة إلى خدمات عامة تحترم كرامة الإنسان وتصون حقوقه.
وقد أدرك المجتمع الدولي هذه الحقيقة مبكراً، حين انتقل من التركيز على سن القوانين إلى بناء الإنسان القادر على تنفيذها. لذلك أكدت المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن التعليم يجب أن يهدف إلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ثم جاء إعلان الأمم المتحدة للتثقيف والتدريب في مجال حقوق الإنسان لعام 2011 ليجعل التدريب حقاً في ذاته، وأداةً لتفعيل بقية الحقوق، مؤكداً أن نشر ثقافة حقوق الإنسان مسؤولية مشتركة تتحملها الدولة ومؤسساتها التعليمية والقضائية والأمنية، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني.
وتعكس هذه الرؤية تحولاً مهماً في الفلسفة القانونية الدولية؛ فلم تعد حماية حقوق الإنسان تُقاس بوفرة التشريعات فحسب، وإنما بمدى قدرة المؤسسات على تنفيذها. ولهذا أصبحت برامج بناء القدرات والتأهيل جزءاً أساسياً من توصيات مجلس حقوق الإنسان، ومن مخرجات آلية الاستعراض الدوري الشامل، التي لا تكتفي بمراجعة النصوص الدستورية والقوانين، وإنما تقيم أيضاً كفاءة المؤسسات ومستوى الوعي المهني للعاملين فيها.
وهنا تبرز الحقيقة الأهم؛ فالدول لا تُقاس اليوم بما تكتبه في دساتيرها، وإنما بما يلمسه المواطن في حياته اليومية. فلا يكفي أن ينص الدستور على صون الكرامة الإنسانية، بل يجب أن يعرف الموظف العام كيف يحترم هذه الكرامة أثناء أداء واجباته، وأن يدرك رجل الأمن حدود سلطته، وأن يوازن القاضي بين مقتضيات العدالة وضمانات المحاكمة المنصفة، وأن يلتزم الإعلامي بأخلاقيات المهنة، وأن يغرس المعلم قيم الحقوق داخل المدرسة قبل أن تُناقش في قاعات القضاء.
إن التدريب الحقيقي لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يعيد بناء الثقافة المؤسسية، ويجعل احترام حقوق الإنسان جزءاً من القرار الإداري والسلوك الوظيفي. فالموظف المدرَّب لا يحفظ النصوص فقط، بل يفهم فلسفتها، ويدرك مقاصدها، ويستوعب أثرها في حياة الإنسان. وهنا يكمن الفارق بين إدارة تطبق القانون بحرفيته، وإدارة تحقق العدالة بروحه.
إن بناء الإنسان يظل الركيزة الأولى لبناء المؤسسات، وبناء المؤسسات هو الطريق الأقصر لترسيخ سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات. ولهذا فإن الاستثمار في التدريب ليس ترفاً إدارياً، بل هو استثمار في مستقبل الدولة، وهو ما ستتناوله الحلقة الثانية عند استعراض التجارب الدولية، وعلاقة التدريب بمكافحة الفساد، وتحقيق التنمية المستدامة، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة ونزاهة.
▪︎ سنكمل ماتبقى من الموضوع في الجزء الثاني بإذن الله



