قصص وروايات

لم يكن مجرد إحساس .. (القصة التي حدثت بالفعل)

   شريفة بنت راشد القطيطية

كعادة الساعة السادسة صباحا في عام دراسي.. ترقّب لحافلة المدرسة واستعداد لنظام التأهب.. ربما يكون البعض يحب الذهاب إلى المدرسة، والبعض يذهب مرغماً كروتين يوميّ، ولكن بهجة الصباح وحركة طلاب المدرسة لها وقع خاص.

في صباح العشرين من إبريل.. صباح ضاحك وفرحة ابنتي التي لاقت تصفيقاً في ذلك الصباح.. الاستعداد للذهاب لرحلة مدرسية وترفيه يقتل روتين الدروس اليومية أمر مشوق، وحقيبة الحلويات والمقرمشات لا تأبه بالسعرات الحرارية أو (الدايت)، الخبز الذي اشترته للمشاركة في الرحلة أصبح مملوءً بالنمل الذي لا يحترم قوانين السادة وبدى عليها الضجر.. استبدلته بالخبز الذي اشتريته أنا؛ لم يعرف النمل موقعه الجغرافي بعد ..
الهدوء كان بليداً لدرجة الخوف ونحن ننتظر الحافلة.

انتابني شعور سيئ لدرجة الخوف .. تمسكتُ بيد ابنتي بقوة وقلت لها:
أرجوك لا تذهبي للألعاب الخطرة وانتبهي جيداً لنفسك ولا تقتربي مباشرة من الألعاب الكهربائية، الإحساس المخيف الذي انتابني لم يترك لي المجال للتردد وأنا أرى قدمها عالقة في لعبة، ولم أنتبه إلا بإستغاثة كلمة أستغفر الله.. أستغفر الله
وهي ترد ..
– لا تخافي يا أمي سأنتبه جيداً.
ودعتها بكلمة: أستودعك الله ومن معك وليحفظكن الله.
اتجهت للحافلة وهي في كامل أناقتها وسعادتها وهي تلوح لي بأجمل أصابع خلقها الله.. وأردد.. أستودعك الله وأغلق الباب وكل التوجهات إلى الله أن أستودعها إياه وليحفطها..

المسارات هنا غاية في الدقة عندما يُصنع القدر ولا مجال للتوقعات أن تهدأ..
يرن جرس الطابور الصباحي ويحضر الجميع ويحيون العلم ويسلكون الطريق إلى خنادق العلم المترامية المنهجية السائدة الوهج..
نتلقى صوتاً يُخبر الجميع .. الاتجاه للحافلات كل المقيدات للرحلة المدرسية.

كان الصباح بريئاً كعادته وجريئاً في اتخاذ السعادة لمرافئ البهجة التي لا تُدرك ما في الغيب من أحداث..

كانت الأحداث تصنع الرغبة في اتخاذ الفراشات جياداً نسابق بها الزمن لنصل بسرعة للترفيه..

الترفيه هو أيضاً معتلّ منذ البارحة، لم يُركز على ثغرات الأمان ومتطلبات أعداد غفيرة من القادمات لنفس السياق المطلوب..

المطلوب هو أيضاً كان نائماً حتى الضُحى.. لم توقظه أصوات البهجة وحركة الصبايا ورغباتهن في الغيد والمُزن المنتشرة في حوض المغامرات..

المغامرات هي أيضاً من أشعلت فتيل حماس ابنتي للعب في مكان مرتفع كنوع من التغيير رغم أنها لا تحب المرتفعات..

المرتفعات أثلجت صدورهن واطمأن الجميع أن خدر الليل لا يوقظه نهار مبتسم يحمل بين أنيابه شيء ما.

شيء ما خلط الألوان في مخيلتي ودقات قلبي تتسارع ولم أستلذ بالنوم الذي عُدت إليه، كان الاختناق ظاهراً بجدية وكنت أشعر أن الخط الفاصل بيني وبينها ثالج وأن المسار معطل لأي صورة ممكنة للتخيل، كررت الاستغفار وبدأت أتراجع لعل حركتي في البيت تُسرع الوقت حتى تعود أميرتي للبيت..

هي كانت تعاني..
بعد الحماس الذي شجعها على اللعب في مكان خطر.. فعلا أعتبره خطر وأكرر ليس من دواعي السلامة وليس من أخوات الأمان وأرفض تكرار التشبيه وأركز .. ليس من أفراد العائلة ذلك القرار الذي اتخذته.. وعندما وصلت للعبة رفضتها العاملة هناك أنها لا تحمل تذكرة الركوب في تلك اللعبة..
التردد أعادها لأول الطريق لتحضر التذكرة المنسية وتعود لذات اللعبة.. الخوف هنا اقتحم مزاجها.. هل أكمل أم ألغي الفكرة..
ولكنها عادت منهكة من مسافة طويلة لاحضار تذكرة القدر..
العاملة تُلبسها الأمان.. لم يكن واثقاً من نفسه ذلك الأمان فالعاملة لم توثق قيده وهي تقول لها انطلقي.. لتلبسها زميلتها خوذة النجاة في آخر لحظة.

الانطلاق هنا مُقيت وليس كعادته وليس قائداً فذّاً، ولا يتصف بالرجولة.. في طرفة عين سقطت بغدر أمان ليس عادلاً، وقدر ذرف دمعاً عليها.. لم تكن مؤهلة للتحليق بكل هذا الرعب الذي ألم بها، لم تكن قادرة على حمولة الذهول والرعب معاً.. كان كل ما تراه ينخفض.. صوت المرح.. صراخ البنات.. هول المنظر.. دقات قلبها..
كانت ابنتي الطائر البكر الذي يحلق رغماً عنه وتخونه الأجنحة.. وكانت الثمانية أمتار مدوية كصفارات الإنذار ومسافة مهولة لطلب الغفران .. كانت تشعر بسقوطها، هي النهاية، وصدمتها في رؤية الأشياء الجميلة تبعد وتقترب من أرض صلبة .. هي تختنق بضربة قاسية وارتطام شنيع كأنها أُدخلت غرفة مظلمة مرعبة مليئة بالقسوة وهي تصرخ من الألم الذي شعرت به بعد كسر يدها اليمنى من قوة الإرتطام..

هي ..

صوت أمي يرن في أذني وهي تقول بسم الله..
صوت أمي وهي تقول أستودعك الله..
صوت أمي وهي تقول انتبهي لنفسك..
قلب أمي وهو يلتقطني رغم القدر..
لهفة أبي تجهش بالبكاء وأنا أتخيله يسمع الخبر..
الرعب الذي اقتلع أشلائي وتركني على أرض معركة ليس بها سواي والعدو ..
كل هذا انتابني وأنا أصرخ باحثة عن يدي اليمنى.

يتحول المكان لساحة هلع.. واسعاف دقيق الملاحظة وطيور جميلة لم يرها أحد غيري.. كانت تحملني برفق، وأنا رغم وجعي لم أشعر بشيء وكأني فقدت الوعي تماماً ..
السائرون على أطراف أصابعهم كي لا أتألم شعرت بهم.. الخائفون أضعاف الهول لمست مشاعرهم، الماكثون فوق اللعبة أصابني الخوف عليهم..
الطريق إلى المستشفى كان أشبه بصوت المطر يُذهب البأس.. البأس كان رحيماً بي.. ولطف الله أعظم..
لم أكن خائفة على نفسي، كان وجه أبي حاضراً في قلبي، ودعاء أمي يضمد كسري.. وأنا أشعر بألم أبي وهلعه، ورجفة قلب أمي ترتطم على جسدي وتِزيل الرعب الذي اختلط بدمي.. وأنا في تخيلي أنني لن أصل لمرحلة الارتطام بالأرض.. الأرض كانت ترتقبني بالأحضان والرفق.. هنا فقط أدركت أن كلمة أستودعك الله التي قالتها أمي تذكرة نجاة.. فمن كان في ودائع الله لن يخذله أبداً..

الصمت الذي شعرت به رغم الوجوه.. رغم الصراخ .. رغم هيجان الرعب أسمع صوتاً مذعوراً .. لا تخافي أنت بخير!
أتساءل أيهما معطل؟ التحليق الذي لم يتجرأ على الوقوف أم الوقوف الذي شعرت به كأني أخذت في التحليق عدد سنوات عمري؟
العطل كان بي .. لم أندهش من فترة الثواني التي وقعت فيها.. لقد أحسست بها طويلة.. والمعلمات يتداركن الخذلان والخفقان .. شعرت بالضجر.. ابتعدوا عني.. دعوني لأتنفس..

التنفس أخذ وقته ليعود مليئا بهمس أمي في أذني ليحفظك الله .. أنا قوية لأن أمي علمتني القوة.. أنا بخير لأن أبي يزرع لي في كل وريد وردة .. أنا متماسكة لأن لدي أربعة إخوة أخذوا بيدي للنور والسلام ..

لم أشعر إلا في المركز الصحي وأنا أتلقى العلاج.. لم أشعر إلا بلهفة معلمة كانت برفقتي وأنا أسمع دقات قلبها تتوجع مثلي..
العلاج وتجبير الكسر والأسئلة ورائحة المعقمات وصوت الإسعاف .. مزاج مضطرب وأنا أسأل أين نحن الآن؟
الطريق في الإسعاف كان أطول من التحليق نفسه.. وصلنا أخيراً لأقرب مشفى لولايتي.. كانت كل الأنظار تتحول لمسحة على وجه سقيم، ربما لم أكن على مقربة من الشفاء حالياً وقد تبين كسر آخر في عظمة الحوض..
أشكر الله الذي قدر ولطف..
كيف أخبرتم أبي لا أعرف ولكن لهفته وعيناه الغارقتان بالدموع طبعت في قلبي للأبد.. لقد كنت خائفة عليه هو أكثر من خوفي على مسار علاجي.

علاجي كان يتمسك بخيط النجاة الذي وهبني الله إياه .. وتكملة الفحوصات كانت على قدم وساق، وهول أمي كان الأصعب !..
كان يتخذ من الشراسة أنيابها ومن الفراسة طمأنتها .. كانت نظرتي لها اعتذار .. وبسمتي افتخار لأن الله حفظني ولطف بهم ..
قرر الأطباء إجراء عملية جراحية لتثبيت العظم المكسور ..
المكسور كان محفوفاً بالمخاطر وعيناه مبطنة بالشكر ..
لقد استغرقت العملية ساعتان ونصف وخلية العمل في مستشفى الرستاق تثلج قلب أمي ..
أمي أعدت وجبة دسمة في عقلها أن ترافقني لعدة أيام في المشفى ..
المشفى كانت أحواله حاضرة مسيطرة متوغلة بإحكام في صدر الليل الذي يُثقله الأنين.

صباح ليس كغيره من الصباحات .. جسد يتألم وكدمات مسيطرة وقلة في الحركة والنوم .. وخلية العمل تزاحم الأسِرة .. وقسم الجراحة مكتظ بالأنين .. وفي وسط الزحام أبي .. صامت منذ الأمس .. مغايرا لعاداته وهو يبكي تارة ويحمد الله تارة أخرى.

عدة أيام في المشفى كفيلة أن تشرح لك .. كم أنت محبوب من الجميع ومن يسألون عنك يتساقطون على ارتطام مكبل ويضعون أنفسهم في نفس الموقف ..
جادت يد الله أن جاءت ساعة خروجي من المشفى .. وعين الممرضة وهي تودعني بعجز .. كيف يمتلكون القوة لمساعدتها؛ إلا بصمت أخي ودعاء أمي .. وبداية مرحلة أصعب لأمي والصبر والتحمل.

حين تُبتلى يُشهدك الله بحبه لك وترجمان عفو وعافية .. ويُرضيك وتتخذه خليلا
هكذا صارت الأحداث وهكذا تعلمت الدرس.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights