ماذا بعد الحدوتة؟..حين تصبح الكرة مرآةً للوعي ومنبرًا للقضية
د. أحمد محمد الشربيني
عزيزي القارئ..
تنتهي البطولة، وتصمت الكرات الحائرة، وتُطوى راياتها الظافرة، وتُرفع الكؤوس في متاحف الذاكرة. وفي المشهد الاحتفالي يعلو التصفيق للمدرب الذي تضاعف راتبه، وللاعبين الذين تضاعفت ثرواتهم، وصارت صورهم واجهات للعلامات التجارية. أما الإعلام فقد حصد عوائد إعلانية قياسية، والرعاة باعوا منتجاتهم في ظل الشهرة، وكل طرف جنى ثمرة استثماره بإتقان.
غير أن السؤال الأكثر إزعاجًا يبقى معلقًا في الهواء: ماذا جنيت أنت أيها المشجع؟
عدت إلى بيتك، وإلى مكتبك، وإلى روتينك الأثقل من كل المباريات. لم تزد علمًا، ولم تكتسب مهارة، ولم تقترب خطوة من تغيير واقعك. كل ما حصلت عليه هو إحساس بالنصر، صُنع في مختبرات التسويق العاطفي، وقُدم إليك في جرعات مدروسة من الإثارة والترقب، لتنصرف بعدها وكأنك شربت كأسًا من النشوة العابرة. إنه نصر مؤقت، لا يترك في يدك سوى رماد الحماسة… هكذا كان الشعور المعتاد.
ولا حرج في أن تكون الرياضة متنفسًا ووسيلة لاستعادة الطاقة، فهذا جزء من فطرة الحياة. لكن حين تتحول المباريات إلى محور للوعي، ويُستثمر فيها من الوقت والانفعال أكثر مما يُستثمر في بناء الذات، أو قراءة كتاب، أو إصلاح علاقة، فإنها قد تتحول إلى حالة من الانشغال الجماعي الذي يستهلك الطاقات أكثر مما يبنيها.
لكن، وسط هذه البطولة، برز مكسب مختلف تمامًا، لا يُقاس بالعملات ولا بنسب المشاهدة، بل بما أحدثه من أثر معنوي؛ وهو أن تتحول كرة القدم إلى منبر لقضية إنسانية، وصوت لمن لا صوت لهم.
فما فعله حسام حسن، برفقة المنتخب المصري، لم يكن في نظر كثيرين مجرد أداء رياضي، بل رسالة تؤكد أن الجماهير التي تهتف وتشجع لا تعيش بمعزل عما يدور حولها، وأن الروح الرياضية تكتمل عندما تقترن بالوعي الإنساني. وحين تُرفع الأعلام الفلسطينية، ويُعلن التضامن مع أهل غزة، تتجاوز الرياضة حدود الترفيه إلى فضاء الرسالة والقيم.
ومع تقدم البطولة، رأى كثير من المتابعين أن بعض القرارات التحكيمية أثارت جدلًا واسعًا، وفتحت بابًا للنقاش حول معايير العدالة داخل البطولات الكبرى. كما أعادت البطولة طرح تساؤلات قديمة حول تأثير الإعلام الرياضي في صناعة النجوم، والدور الكبير الذي تؤديه المؤسسات الإعلامية والتسويقية في تشكيل الصورة الذهنية لبعض اللاعبين عالميًا.
وهنا تغيّر السؤال من: من ربح الكأس؟ إلى: من أيقظ الضمير؟
فالمكسب الحقيقي ليس في عدد النقاط، بل في عدد القلوب التي نبضت لفلسطين، وفي الرسائل الإنسانية التي حملها اللاعبون والمدربون والجماهير، وفي قدرة الرياضة على أن تكون منصة للتذكير بقيم العدالة والكرامة والإنسانية.
والأهم من ذلك كله ما تعلمه الصغار من هذه التجربة؛ فقد أدركوا أن الرياضة ليست مجرد أهداف وكؤوس، بل قيم ومواقف، وأن العدالة ليست دائمًا مضمونة، وأن الإنسان قد يخسر مباراة لكنه يكسب احترام الناس إذا تمسك بمبادئه.
سنعود إلى حياتنا وأعمالنا، لكننا لن نعود كما كنا. سنعود بوعي أعمق، وبقدرة أكبر على التمييز بين البطل الذي يصنعه الإعلام، والبطل الذي تصنعه مواقفه.
وختامًا، فإن مشهد تجوال المنتخب المصري من مطار العلمين إلى العاصمة القاهرة، وسط حشود جماهيرية كبيرة، مع عرض جوي حمل العلمين المصري والفلسطيني، لم يكن مجرد احتفال رياضي، بل رسالة بصرية عبّرت عن تلاحم الجماهير مع قضية تؤمن بها.
لقد أثبتت تلك اللحظة أن كرة القدم، حين تُضبط على إيقاع الضمير، تصبح أكثر من مجرد لعبة؛ تصبح مشهدًا وطنيًا وقوميًا يعيد تشكيل الوعي الجمعي، ويمنح الجماهير شعورًا بالفخر يتجاوز حدود الفوز والخسارة.
وهكذا نعود إلى حياتنا، لكننا نعود مختلفين. حملنا معنا دروس البطولة، بما فيها من أفراح وإخفاقات، وكان الانتصار الأخلاقي هو الأبقى، والأثر الإنساني هو الأعمق.
تحية لمنتخب أبقى على الحلم، ولجماهير حولت الملعب إلى ميدان شرف، ولرسالة كرة القدم حين تسمو بالقيم، فتجعل من الوعي أكبر من الكأس، ومن الكرامة أغلى من اللقب.
عاشت مصر الكنانة، وعاشت القيم التي تجمع الأمة على الحق والإنسانية.



