مقالات صحفية

ظاهرة التنمر اللغوي

د.عيسى بن سعيد الحوقاني
أستاذ النقد الأدبي ـ جامعة الشرقية

لا نقصد بالتنمر اللغوي الاعتداء اللفظي بالسب والشتم وإنما نقصد به السخرية والاستهزاء من لهجة استعملتها مجموعة من أبناء الأمة العربية، وهذا الضرب من التنمر منتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك منتشر ـ للأسف الشديد ـ بين طلبة الجامعات؛ إذ قدموا من بيئات لغوية مختلفة، فضمهم الحرم الجامعي، وبدل أن يتقبلوا التنوع اللغوي (اللهجي) صاروا يتنمرون على بعضهم البعض.
وتختلف دوافع هذا النوع من التنمّر بين الرغبة في الإضحاك، أو الرغبة في الاستئثار بالصواب من خلال إلصاق الخطأ بالآخرين، ولا شكّ في أنّ هذا الضرب من التنمّر حاله كحال أنواع التنمر الأخرى؛ إذ يؤدي إلى حزازات النفوس، وقد يخلف آثارًا نفسيّة مثل العزلة والانطواء على الذات، وعلى الرغم من أهمية دراسة هذه الآثار النفسيّة فإنّ هناك آثارًا لغوية تنتج عن التنمّر اللغوي تفوق ـ في نظري ـ الآثار النفسية؛ إذ إنّ الأثر النفسي قد يصيب أفرادا أو فئة من الناس؛ أما الآثار اللغوية فتصيب الهُوية قوميّةً كانت أم وطنيةً، بل قد تصيب الهوية الدينيّة كذلك.

ولكن يبقى التساؤل قائما: لماذا تستمر ظاهرة التنمّر اللغويّ، وتزداد حدّتها بين فئة الشباب؟ ولا أجد جوابًا عن هذا التساؤل إلا أن أعزو السبب إلى الجهل، فالإنسان بطبيعته عدو ما يجهل، فلو علم هؤلاء المتنمرون أن لغة القبائل العربية لم تكن واحدة، وأن ثَّمّة ما تتمايز به في نطق الحروف وإطلاق الأسماء على الأشياء لكفّوا عن التنمّر.

وما كان للقرآن الكريم أنْ تتعدّد قراءاته لولا تعدّد لغات القبائل العربيّة، إذ إنّ هذه القراءات توقيفيّة مروية عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليست اجتهادية، ولا شكّ في أنّ المتنمرين على غيرهم تنمّرًا لغويًّا حين يسمعون تلك القراءات القرآنيّة لا يتنمرون عليها تعظيمًا لكلام الله في كتابه العظيم، إلّا أنّهم يتنمرون على من ينطق في كلامه اليومي حروف الكلمات بذات نطق تلك القراءات.
ولهجة الإنسان هي لغته التي جُبل عليها فاعتادها ونشأ عليها، ويُفهم من معنى اللهجة في المعاجم العربية أنها طريقة أداء اللغة، أو النطق بها، أو جرْس الكلام ونغمته.
ويعرف المحدثون اللهجة بأنها الصفات أو الخصائص التي تمتاز بها بيئة ما في طريقة أداء اللغة والنطق به، وكأن اللغة واحدة ولكن تختلف طريقة الناطقين في أدائها ولهذا تنشأ ظواهر صوتية في لهجاتهم التي اعتادوا عليها.
ولأن اللغة تكتسب بالسماع تنتقل الظواهر الصوتية من جيل إلى جيل في البيئة اللغوية الواحدة، ولا تتغيّر إلا بالاختلاط.

هناك من يتوجس خيفة من اللهجات وانتشارها ويرى أنّها تمثل خطورة على العربية الفصيحة، إلى درجة أن الكثير من الأكاديميين في الجامعات يرفضون بل يحاربون دراسة أي موضوع يتعلق باللهجات ويسوّغون ذلك بأنّ دراسة اللهجات حرب على العربية الفصيحة، وأنّ هذه مؤامرة ضد العربية.
ولا أرى لهذه الخوف أو الفوبيا من اللهجات أي سبب مقنع، فمن وجهة نظري أنّ اللهجات ليست ضد الفصاحة فهي طريقة أداء اللغة، فقد تكلمت بها القبائل العربية، ولم تكن قبائل العرب تنطق أو تؤدي اللغة بطريقة واحدة فلكل قبيلة أو إقليم بيئة لغوية خاصة تميزه عن غيره، فلم يكن أداء القبائل للغة العربية بطريقة واحدة قبل الإسلام ولا بعده، فليست لغة العرب قديما كما تصورها لنا المسلسلات والأفلام التاريخية.

لم تأت اللهجات التي يتكلم بها الناس في مختلف الأقاليم العربية من لغات أخرى، فقد خرجت من رحم اللغة العربية، مع استيعاب لما يمكن الاستفادة منه من اللغات الأخرى بعد تعريبه غالبًا.
فإذا قال أحدهم في خطاب الأنثى (كيف حالش)، وقال الثاني (ريعت من المسيد)، وقال الثالث (اشتريت عرضا بعربعة وأربعين ألفا) فلا يعني أن هؤلاء المتكلمين قد خرجوا عن اللغة العربية في كلامهم، فهذه كلها لهجات عربية تكلمت بها القبائل العربية قديما ولا تزال مستمرة.

لقد تكوّنت من اختلاف طرائق أداء اللغة واختلاف أداء حروفها ظواهر الصوتية عرفتها العرب قديمًا، وهي منتشرة في لهجاتنا العمانية ومن أبرزها:

أولًا ـ ظاهرة الكشكشة: وهي إبدال كاف المخاطبة بالشين في المؤنث، (كيف حالش) هذه الكشكشة منتشرة عندنا في عمان، وهي كشكشة تميم وأسد وسليم فهي قلب كاف المؤنَّث شينًا؛ ومن ذلك قول الشاعر:
فعيْناشِ عيْناها وَجِيدُشِ جيدُهَا ولكنَّ عَظْمَ السَّاقِ مِنْشِ رَقيقُ
أي:
فعيناكِ عيناها وجيدكِ جيدُها ولكنّ عظم الساق منكِ رقيقُ

أما كشكشة ربيعة تزيد شينًا بعد كاف الضمير المؤنَّث: إنَّكِشْ، ورأيْتُكِشْ، وأعطيتكِش، تفعل هذا في الوقف، فإذا وصلت أسقط الشين.
ثانيًا ـ ظاهرة الشنشنة: و«الشنشنة» في لغة اليمن، تجعل الكاف شينًا مطلقًا، كلَبَّيْشَ اللَّهُمَّ لَبَّيْشَ؛ أي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ.» وفي المثَل: “شِنْشِنَة أَعْرِفُهَا في أَخْزَمَ”، والشنشنة ظاهرة منتشرة في ولاية الحمراء؛ إذ إن نطقهم للكاف أقرب إلى الشين.

ثالثًا: العنعنة: هي ظاهرة لغوية تتمثل في إبدال الهمزة المفتوحة عيناً
تتكلم بها قبائل عربية مثل قبيلتي تميم وأسد، يقولون: “سمعتُ عَنَّ فلاناً قال كذا” يريدون (أَنَّ)،
والعنعنة منتشرة في صعيد مصر وفي السودان، وتوجد في بعض أنحاء عمان إذ يقلبون الهمزة في بعض كلامهم عيناً. (عرض، عربعة، عرنب) (أرض، أربعة، أرنب)، ولكن هذه الظاهرة الصوتية بدأت تتلاشى كما يبدو عند جيل الشباب.

رابعا: التلتلة: هي كسر حرف المضارعة في أول الفعل (يِكتب ـ نِكتب تِكتُب)
وهي لغة بهراءَ، أو تَلْتَلَةُ بهراء يكسرون تاءَ تفْعَلُون، فيقولون: تِعْلَمُون، وتِشْهَدُون
وحكى بعضهم قال: رأيت أعرابيًّا متعلقًا بأستار الكعبة، وهو يقول: “ربِّ اغفرْ وارحمْ وتجاوَزْ عما تِعْلَمْ.” فكسر التاءَ من (تَعْلَم). وقرأ يحيى بن وثاب: «ولا تِرْكَنُوا إلى الَّذِين ظَلَمُوا» بكسر التاء، ومثله: «مَا لَكَ لَا تِئْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ»، وكذلك: «فتِمَسَّكُمُ النَّارُ»، ويُروى أنّ ليلى الأخيليَّة كانت ممَّن يتكلَّمون بهذه اللغة، وأنها تكلَّمت بها في مجلس عبد الملك بن مروان، ولغة بني الأخيل أنهم يكسرون حرف المضارعة ما عدا الهمزة.
وجاء في (فقه اللغة) لابن فارس: “اختلاف لغات العرب من وجوه؛ أحدها: الاختلاف في الحركات كقولنا: «نَستعين، ونِستعين» بفتح النون وكسرها، قال الفراء: هي مفتوحة في لغة قريش وأسد، وغيرُهم يقولونها بكسر النون.”
والتلتلة شائعة في مناطق كثيرة في عمان. ولهذا لا يمكننا أن نصف من كسر حرف المضارعة بأنه غير فصيح بما أنّ هذه الظاهرة الصوتية موجودة في كلام القبائل العربية.

خامساـ طُمْطُمَانِيّة حِمْيَر: وتنسب كذلك إلى طيّئ والأزد.
وهي قلب اللام في أداة التعريف مِيمًا، فيقولون: “طَابَ امْهَوَاءُ” وهم يريدون (طَابَ الْهَوَاءُ) وجاء في الحديث النبوي (ليس أمبر أمصيام في أمسفر) ويبدو لي أن هذه الظاهرة نلحظها في أسماء بعض القبائل العمانيّة مثل: (أمبوسعيدي، أمبوعلي) وفي السودان مدينة (أمدُرمان)أي (الدُرمان) وفي لهجات أهل الشام البارحة يقولون: (إمبارح)

سادسًا: الوَكْم: وَكَمَ فلان الكلامَ، قال: السلام عليكِم (بكسر الكاف)، في: (عليكُم)، وبعضهم يقول إن (الوكم)، في لغة ربيعة، هو: قولهم: (بكِم، وعليكِم)، حيث كان قبل الكاف ياء أو كسرة، وهذه الظاهرة منتشرة كذلك في بعض اللهجات العمانيّة.

سابعًا ـ التضجع: يقال تضجع قيس، ومنهم هوازن وبنو سعد، وبنو سليم، وهو تقريب الألف إلى الياء، والفتحة إلى الكسرة، (عالم، عيلم ـ عامر عيمرـ عابد ، عيبد) وهذه الظاهرة الصوتيّة منتشرة كذلك في لهجاتنا العمانيّة

ثامنًا ـ قطعة طيء: وهي قطع اللفظ قبل تمامه وهي من الحذف الذي يقرب من الترخيم وهو أن يقول المتكلم (يا أبا الحكا) يريد (الحكم) فيقطع كلامه قبل سماع تمامه، وهذه الظاهرة الصوتيّة منتشرة في بعض المناطق الجبلية في عمان.

تاسعًا ـ اليأيأة: قلب الجيم ياء، (مسيد، دياي، يعلان) أي (مسجد، دجاج، جعلان) وقرئ في الشاذ: {ولا تقربا هذه الشِّيَرَة] وإن كانت قراءة شاذة إلا أن العرب تكلمت بهذه اللغة، وقراءة القرآن توقيفية لا اجتهاد فيها.
وفي كتاب النخلة لأبي حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني قال:
“وكانت أم الهيثم الأعرابية واسمها غنية تنشد:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى ** فأبعدكن الله من شِيَرَاتِ (أي شجرات)
وظاهرة اليأيأة منتشرة في عمان وفي شبه الجزيرة العربية بشكل واسع النطاق.

عاشرًا ـ الاستنطاء: جعل العين الساكنة نُونًا إذا جاورت الطاءَ، وهي منتشرة في لغة سعد بن بكر وهذيل والأزد وقيس والأنصار، مثل: (أنْطِي)، في: (أعْطِي)، و(أَنْطَيْتُ)، في: (أَعْطَيْتُ) ومن القراءات القرءانية: (إنا أنطيناك الكوثر)

الحادية عشرة ـ الكفكفة: تحول صوت حرف القاف إلى صوت يقارب حرف الكاف وهي ظاهرة مشهورة ولهجة مميزة لسكان الأندلس والمغرب الأقصى،
كذلك قلب القاف جيما مثل جاسم أي قاسم ـ مجبل أي مقبل، منه قول التميمي:
ولا أجول لجدر الجوم جد نضجت ولا أجول لجفل الدار مجفول
أي
ولا أقول لقدر القوم قد نضجت ولا أقول لقفل الدار مقفول

وهناك ظواهر لغوية أخرى لا يتسع المقام لذكرها، وبما أنّ هذه الظواهر الصوتيّة عريقة في لغات القبائل العربيّة فلماذا تنتشر ظاهرة التنمّر اللغوي في التواصل الاجتماعي، وبين الطلبة في الجامعات؟
إنّ الاعتقاد بأنّ العرب القدماء كانوا يؤدون اللغة العربية بطريقة واحدة اعتقاد جانب الصواب، وقد أسهمت اللغة المكتوبة من ناحية والمسلسلات والأفلام التاريخية من ناحية أخرى في تكريس هذه الفكرة، فجهل أغلبُ الناس ذلك التعدد في أداء اللغة عند القبائل العربيّة، مما دفعهم إلى الاعتقاد بأن الأداء الصحيح لهذه اللغة العظيمة واحد فقط، وأن أي أداء آخر هو خروج عن الصواب، فدفعهم ذلك التصوّر إلى التنمّر على بعضهم البعض، ومن هنا تأتي أهميّة تدريس مقرّر اللهجات العربيّة في جامعاتنا؛ لتصحيح المسار وتعزيز الهُويّة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights