مقالات صحفية

قراءة في السردية الاتصالية لزيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – إلى الجمهورية الفرنسية

سارا بنت سلطان المعمرية

في العلاقات الدولية، لا تُبنى صورة الدول بما تُنجزه فحسب، وإنما بالطريقة التي تُقدَّم بها هذه الإنجازات ضمن سردية متماسكة. فالأحداث الرسمية قد تتشابه في طبيعتها، لكنها تختلف في الكيفية التي تُربط بها محطاتها، وفي المعاني التي تُنتجها عند قراءتها بوصفها جزءًا من مسار واحد.

ومن هذا المنطلق، تُقدِّم زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – إلى الجمهورية الفرنسية نموذجًا جديرًا بالقراءة؛ ليس بوصفها سلسلة من اللقاءات والاتفاقيات، وإنما بوصفها سردية اتصالية انتظمت حول بناء علاقة ثنائية، وتوسيع مجالات الشراكة، وإبراز حضور سلطنة عُمان في القضايا ذات البعد الدولي.

لم تبدأ السردية الاتصالية للزيارة من برنامجها الرسمي، وإنما من تاريخ العلاقة بين البلدين. فالبيان المشترك أعاد العلاقات العُمانية الفرنسية إلى عام 1894م، تاريخ افتتاح القنصلية الفرنسية في مسقط، قبل الانتقال إلى المباحثات والاتفاقيات التي شهدتها الزيارة.
ويمنح هذا الترتيب العلاقة الثنائية سياقًا يتجاوز الحدث الآني؛ إذ يُقدَّم الحاضر بوصفه امتدادًا لعلاقة تاريخية، لا بوصفه نقطة بداية لها. وبذلك لا يبدو التاريخ عنصرًا توثيقيًا فحسب، بل جزءًا من البناء العام للسردية، التي تبدأ بجذور العلاقة قبل الانتقال إلى مستقبلها.
ولا يقف أثر هذا الترتيب عند البعد الزمني، بل يُسهم أيضًا في تنظيم تلقي بقية محطات الزيارة؛ إذ تُقرأ الشراكات والاتفاقيات لاحقًا في إطار علاقة قائمة، لا في سياق تعاون بدأ مع هذه الزيارة.

وبعد أن وضعت السردية العلاقة في سياقها التاريخي، انتقلت إلى ما تُنتجه هذه العلاقة من مسارات تعاون. فقد جاء الإعلان عن توقيع اثنتي عشرة وثيقة، شملت اتفاقيات، ومذكرات تفاهم، وإعلانات نوايا، بالتوازي مع انعقاد منتدى الأعمال العُماني الفرنسي، ضمن خطاب ركز على تعزيز الشراكة الثنائية الشاملة والمتطلعة إلى المستقبل.

وهنا لا تظهر الاتفاقيات بوصفها أحداثًا منفصلة، بل حلقات في مسار واحد. ويعزز ذلك تنوع القطاعات التي شملها التعاون، ومنها الطاقة، والمياه، والنقل، والطيران المدني، والاستثمار، والصحة، والثقافة، والفضاء.

ولا يقتصر أثر هذا التنوع على تعدد مجالات التعاون، بل يمنح الشراكة نفسها أبعادًا متعددة، بحيث تنتقل من كونها علاقة سياسية إلى إطار يشمل الاقتصاد، والتنمية، والثقافة، والعلوم، وهو ما يمنح السردية قدرًا أكبر من الاتساع والانسجام.

كما يُلاحظ أن البرنامج الرسمي لم يفصل بين هذه المحطات، بل قدمها في سياق متتابع، الأمر الذي جعل كل عنصر منها يُكمّل الآخر، ويُسهم في بناء صورة واحدة لمسار العلاقة بين البلدين.

ولا يقتصر بناء هذه السردية على مضمون الرسائل، بل يمتد أيضًا إلى ترتيب المحطات التي تضمنها البرنامج الرسمي. فالأماكن في الزيارات الرسمية لا تؤدي وظيفة بروتوكولية فحسب، وإنما تكتسب أهميتها من موقعها داخل السردية الاتصالية للزيارة.

فقد بدأت المحطات في قصر الإليزيه، حيث جرت المباحثات الرسمية بين قيادتي البلدين، ثم انتقلت إلى منتدى الأعمال العُماني الفرنسي، الذي مثّل المحطة الاقتصادية الأبرز في البرنامج، قبل أن تُختتم بزيارة مقر اليونسكو.

ولا تبدو هذه المحطات متجاورة زمنيًا فحسب، بل متدرجة في الموضوعات التي عالجتها؛ إذ انتقلت السردية من العلاقات الثنائية، إلى الشراكات التنموية، ثم إلى الحضور في إحدى أبرز المنظمات الدولية. ويمنح هذا التدرج البرنامج الرسمي قدرًا من الاتساق؛ فلا تظهر محطاته أحداثًا منفصلة، وإنما حلقات متتابعة داخل سردية واحدة.

من اللافت أن الزيارة حملت أكثر من مستوىً للخطاب في الوقت نفسه. فالمباحثات السياسية أعادت تأكيد مسار العلاقات بين البلدين، بينما قدم منتدى الأعمال إطارًا للتعاون الاقتصادي، في حين وسعت القطاعات المعلنة نطاق الشراكة ليشمل مجالات ترتبط بالتنمية، والابتكار، والمعرفة، والثقافة.

وعلى الرغم من هذا التنوع، ظلت جميع المحطات تتحرك في اتجاه واحد؛ إذ لم تُقدَّم كل منها بوصفها رسالة مستقلة، بل جزءًا من صورة أشمل للعلاقة العُمانية الفرنسية.

وهنا تتجلى إحدى سمات السرديات الاتصالية؛ فالتماسك لا ينتج من تكرار الرسالة نفسها، وإنما من قدرة الرسائل المختلفة على خدمة الفكرة الكلية ذاتها.

ضمن هذا التسلسل، جاءت زيارة مقر اليونسكو لتضيف بُعدًا آخر إلى السردية. فقد سبقتها مبادرة عُمانية قائمة، هي جائزة «اليونسكو – السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي»، التي أُطلقت لدعم جهود صون التراث الثقافي غير المادي في إطار عمل اليونسكو. ومن ثم، جاءت زيارة المقر في سياق يرتبط بموضوع حاضر أصلًا في العلاقة بين سلطنة عُمان والمنظمة، وهو ما جعل هذه المحطة تنسجم مع بقية البرنامج، بدل أن تبدو نشاطًا ثقافيًا منفصلًا.

ويكشف ذلك عن اتساع السردية، من العلاقات الثنائية إلى فضاء دولي أوسع، بحيث لم تعد الشراكة تُقرأ في إطار العلاقة مع دولة واحدة فقط، وإنما أيضًا في سياق حضور سلطنة عُمان في المنظمات الدولية ومبادراتها المؤسسية.

تتميز السرديات الاتصالية الأكثر اتساقًا بأنها لا تبدأ مع الحدث، ولا تنتهي بانقضائه. وفي هذه الزيارة، تبدو المحطات المختلفة امتدادًا لمسارات سبقتها؛ فالعلاقات الثنائية تستند إلى تاريخ طويل، والشراكات تُبنى على تعاون قائم، والحضور في اليونسكو يرتبط بمبادرة أُعلنت قبل الزيارة.

وبذلك، لا تُقدَّم الزيارة بوصفها نقطة بداية، وإنما حلقة جديدة في مسار أوسع، تتكامل فيه السياسة، والاقتصاد، والثقافة، ضمن سردية واحدة. ولا يقتصر هذا الامتداد على تسلسل المحطات، بل يشمل أيضًا تنوع الخطابات التي أحاطت بالزيارة؛ فالزيارات الرسمية لا تنتج خطابًا واحدًا، وإنما تدور حولها خطابات متعددة.

فقد ركز البيان العُماني على الامتداد التاريخي للعلاقة، وتعزيز الشراكة الثنائية، ومجالات التعاون المستقبلي، بينما تناول البيان الفرنسي موضوعات مثل الأمن الإقليمي، وحرية الملاحة، والقانون الدولي. وفي المقابل، اهتمت تغطيات إعلامية دولية بدور سلطنة عُمان في دعم الاستقرار الإقليمي، وعلاقاتها مع فرنسا، وانعكاسات الزيارة على التعاون بين البلدين.

وعلى الرغم من اختلاف زوايا التناول، فإنها التقت عند موضوعات مشتركة، أبرزها الشراكة، والتعاون، والاستقرار، وهو ما منح السردية الاتصالية قدرًا من الاتساق عبر أكثر من مصدر وأكثر من جمهور.

عند قراءة محطات الزيارة بوصفها وحدة واحدة، تتضح ثلاثة مسارات متكاملة. بدأت السردية بتأصيل العلاقة تاريخيًا، مما وضع الحاضر ضمن سياق ممتد، ثم انتقلت إلى توسيع مجالات الشراكة عبر المباحثات السياسية، والاتفاقيات، ومنتدى الأعمال؛ لتبرز العلاقة بوصفها إطارًا للتعاون في قطاعات متنوعة. واختُتمت بزيارة مقر اليونسكو؛ لتضيف إلى السردية بُعدًا يرتبط بالمبادرات الدولية والدبلوماسية الثقافية.

ولا تبدو هذه المسارات متوازية، بل متكاملة؛ إذ يهيئ كل منها لما بعده، فتتشكل سردية تنتقل تدريجيًا من العلاقات الثنائية، إلى الشراكات التنموية، ثم إلى الحضور في المنظمات الدولية.

ومن هنا، لا تُقرأ الزيارة بوصفها مجموعة من المحطات الرسمية، وإنما بوصفها سردية اتصالية حافظت على اتساقها عبر مختلف موضوعاتها، وربطت بين التاريخ، والاقتصاد، والثقافة، والدبلوماسية، ضمن إطار واحد.

منهجية القراءة التحليلية
تستند هذه المقالة إلى تحليل المواد الرسمية المنشورة بشأن الزيارة الرسمية، بما في ذلك البيان المشترك العُماني الفرنسي، والبيانات الصادرة عن وزارة الخارجية في سلطنة عُمان، والمواد الرسمية المنشورة من اليونسكو بشأن زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – وجائزة «اليونسكو – السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي».

كما تستأنس بأدبيات الاتصال الحكومي، والسرديات الاستراتيجية، والدبلوماسية العامة، بوصفها إطارًا تحليليًا لقراءة السردية الاتصالية للزيارة، مع الالتزام بما ورد في المصادر الرسمية، دون نسبة مقاصد أو دلالات لم تُعلنها تلك المصادر.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights