علي بن مبارك اليعربي
لعل أكثر ما يخشاه بعض الناس عند اقتراب سن التقاعد هو ذلك السؤال الذي يتردد كثيراً على ألسنتهم: ماذا سأفعل بكل هذا الوقت؟
فبعد سنوات طويلة من الالتزام بالدوام والعمل والاجتماعات والمسؤوليات اليومية، يجد الإنسان نفسه أمام واقع جديد يختلف عما اعتاده لعقود من الزمن. وهنا يبدأ البعض بالحديث عن الفراغ، وكأن التقاعد يعني تلقائياً غياب الهدف أو انتهاء الدور.
غير أن الحقيقة تستحق نظرة مختلفة.
فالفراغ لا يصنعه الوقت، وإنما تصنعه النظرة إلى الوقت. وكثير من الناس كانوا يملكون ساعات طويلة قبل التقاعد، لكنهم لم يشعروا بقيمتها لانشغالهم الدائم، بينما يكتشف آخرون بعد التقاعد أن لديهم فرصة جديدة لإعادة ترتيب حياتهم وفق أولويات أكثر انسجاماً مع رغباتهم وقناعاتهم.
إن الفرق بين الفراغ والإنجاز لا يكمن في عدد الساعات المتاحة، بل في كيفية استثمارها. فالساعات الأربع والعشرون التي يملكها المتقاعد هي نفسها التي يملكها غيره، لكن البعض يحولها إلى مساحة للنمو والعطاء، بينما يتركها البعض الآخر تتحول إلى مصدر للملل والتذمر.
ولعل من الأخطاء الشائعة أن يربط الإنسان الإنجاز بالوظيفة فقط. فحين تنتهي الوظيفة يظن أن الإنجاز قد انتهى معها، بينما الواقع يؤكد أن كثيراً من الإنجازات الكبرى في حياة الناس بدأت بعد التقاعد، عندما توافرت لهم مساحة أوسع من الوقت والتأمل والاختيار.
فكم من متقاعد عاد إلى القراءة بعد انقطاع طويل، وكم من آخر أكمل دراسته، أو بدأ مشروعاً مجتمعياً، أو انخرط في العمل التطوعي، أو وجد نفسه في الكتابة والتأليف، أو خصص جزءاً من وقته لخدمة أسرته ومجتمعه.
إن التقاعد لا يمنح الإنسان الفراغ بقدر ما يمنحه الحرية. والحرية نعمة عظيمة إذا أحسن استثمارها، لأنها تتيح للإنسان أن يختار ما يحب، وأن يعمل فيما يؤمن به، وأن يوجه جهده نحو ما يراه أكثر قيمة وأثراً.
ومن التجارب التي تستحق التأمل أن كثيراً من الأشخاص الذين عاشوا حياة مهنية مزدحمة كانوا يؤجلون أحلاماً كثيرة بحجة ضيق الوقت. وعندما تقاعدوا اكتشفوا أن الوقت أصبح متاحاً، لكن النجاح لم يكن في توفر الوقت وحده، بل في وجود هدف واضح يسعون إليه.
ولهذا فإن أول ما يحتاجه المتقاعد بعد انتهاء خدمته هو أن يرسم لنفسه أهدافاً جديدة تتناسب مع هذه المرحلة. فالإنسان الذي يعيش بلا هدف يشعر بثقل الأيام، أما الذي يملك رسالة أو مشروعاً أو حلماً يسعى لتحقيقه فإنه ينظر إلى كل يوم على أنه فرصة جديدة للإنجاز.
ولا يشترط أن تكون الأهداف كبيرة أو معقدة. فقد يكون الهدف المحافظة على الصحة، أو تنمية المعرفة، أو حفظ القرآن الكريم، أو ممارسة هواية محببة، أو المساهمة في عمل تطوعي، أو نقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة.
إن أجمل ما في مرحلة التقاعد أنها تمنح الإنسان فرصة للانتقال من الأعمال المفروضة إلى الأعمال المختارة، ومن الالتزامات الوظيفية إلى المبادرات الذاتية، ومن السعي لتحقيق أهداف المؤسسة إلى السعي لتحقيق أهدافه الشخصية والمجتمعية.
ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس: كيف أقتل وقت الفراغ؟
بل: كيف أستثمر الوقت الذي أصبح بين يدي؟
فبين هذين السؤالين تتحدد ملامح الحياة بعد التقاعد.
وفي النهاية، يبقى التقاعد فرصة لإعادة اكتشاف الذات لا للانسحاب من الحياة. فالفراغ الحقيقي ليس غياب العمل، وإنما غياب المعنى. أما الإنسان الذي يحمل رسالة ويملك هدفاً ويسعى إلى نفع نفسه ومجتمعه، فلن يعرف الفراغ طريقاً إلى حياته مهما تقدم به العمر.
فبين الفراغ والإنجاز خيط رفيع اسمه الإرادة. ومن أحسن استثمار وقته بعد التقاعد اكتشف أن أجمل فصول حياته قد تبدأ حين يظن الآخرون أنها شارفت على النهاية.



