مقالات صحفية

الرياضة ضرورة ليست رفاهية

  صالح بن خليفة القرني

كانت لي في مطلع مايو الماضي رحلة سياحية إلى أوروبا برفقة بعض الأصدقاء، زرنا خلالها الكثير من المدن والقرى في شمال إيطاليا وسويسرا، مرورًا بالنمسا. هذه البلدان الساحرة تكاد تُجمع على احترام النظام والقانون، ويجمعها قاسم مشترك أجزم أنه السر في الشباب الدائم والنشاط العجيب لمواطنيها، ألا وهو النشاط البدني اليومي.

حينما وجدت هناك من تجاوزوا السبعين من العمر يعملون في مختلف القطاعات، سألت ChatGPT، فكانت إجابته بأن لديهم قناعة أن العمل يعطي معنى للحياة، وأن التقاعد الكامل قد يسبب الملل وشعورًا بعدم الفائدة، وهذا النشاط الذي يجدونه بعد عمر الستين والسبعين يعود إلى جدولهم الرياضي اليومي.

فأنت تجد عجوزًا تجاوزت السبعين وتظهر بكل حيوية، كأنها في الثلاثين، بقوام رشيق، وبفستان جذاب من ماركة معروفة، وبأحدث صيحات الموضة، بأناقة معهودة عن الإيطاليين. هذه الفتاة -إن صحّت التسمية- قد قطعت منذ الصباح الباكر مسافة 20 كيلومترًا بالدراجة الهوائية، وها هي منطلقة إلى محل عملها، بشعور عالٍ من الحماس والإقبال على الحياة.

في المقابل، تجد من أبناء جلدتك من قارب الخمسين، يرتدي جلابية نوم أكل منها الدهر وشرب، وقد تفرّق شعره، يجلس القرفصاء مع أقرانه في الحارة، يحتسي فنجان القهوة الخامس بعد سلة رطب لا تقل عن 5 كيلوغرامات التهمها مع رفاقه دون حراك. فيحذّره أحدهم من مضاعفات السكري وخطورة ارتفاع الضغط، فيرد منفعلاً:
“فلان كان عندك شغل روح أنا أعرف أمراضي والمقبرة واسعة”.”

بالتأكيد إن هذه الشخصية وحتى هذا الحوار من نسج خيالي، ولكن هذا النوع موجود بيننا، بل إن بعضهم يتندر بمن يمارسون مختلف أنواع الرياضات، فتجدهم يهمزون ويلمزون ويسخرون ممن يرتدي بدلة الرياضة أو يقود دراجة هوائية، وكأن هذه الأمور تقتصر على الصغار، وأنه لم يعد يليق به ذلك.

تعمدت أن أعقد مقارنة بين السبعينية الإيطالية والشاب العماني الأربعيني؛ تلك التي ما زالت محافظة على بريقها، وتشعر من أعماقها بالنشوة والسرور، والآخر بدأت تنهشه الأمراض، ويجلس قابعًا خانعًا مستسلمًا لها بسبب الكسل والخمول.

سألت بعض الأقارب من كبار السن عن سر نشاط آبائهم وأجدادهم، وكاد الكل يجمع على أن المأكول الصحي وخلوه من الكيماويات هو السبب، وحين نظرت إلى ما يأكله الأوروبيون وجدت أن أغلبه كربوهيدرات ودهون ولحم خنزير وخمر، وأن مائدتنا من تمر وعسل ولحوم وألبان أفضل بكثير، وأن الفيصل في النشاط الدائم هو الحركة والنشاط البدني.

تجد اليوم من يمشي مجبرًا لتخفيض سكر الدم وارتفاع الكوليسترول، وفي المقابل تجد من لا يعاني من أي مرض يمارس شتى أنواع الرياضة ليحافظ على بنيته العضلية.

أنا فيما كتبت لا أعني بالتأكيد أن الرياضيين لا يصابون بالأمراض، ولكن أثبتت كل الدراسات أن ممارسة الرياضة -بحد أدنى ثلاث مرات في الأسبوع- تقي الجسم من بعض الأمراض، وتؤخر الإصابة بالأمراض المزمنة.

شخصيًا أشعر بسرور كبير حين أجد من يمارس الرياضة، وخاصة ممن هم فوق الأربعين، وقد لاحظنا تطورًا ملموسًا تجاه الاهتمام بالنشاط البدني، وبدأ البعض منا يدرك أن الرياضة ضرورة وليست رفاهية.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights