مقالات صحفية

الفرصة حين تجد أهلها .. يولد الإبداع !؟ 

 أحمد بن سالم معروف اليافعي

في عصرٍ أصبحت فيه المعرفة متاحة للجميع، وصار الوصول إلى المعلومات أسهل من أي وقت مضى، ما زلنا نواجه سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في معناه: ماذا نريد حقًا؟

هل نريد عملًا متقنًا يليق بما نملكه من إمكانات، أم نريد ربحًا سريعًا مهما كان الثمن؟ هل نبحث عن أصحاب الكفاءة والإبداع، أم نوزّع الفرص وفق المصالح والعلاقات؟ وهل نريد أن يتصدر الأفضل والأجدر، أم نسمح لمن يجيد الظهور والتسويق لنفسه بأن يحتل مكان من تعلّم واجتهد وصبر؟

إن الإنسان قد يعمل سنوات طويلة بإخلاص حتى يبني خبرته، ويطوّر موهبته، ويصنع أسلوبه الخاص. ثم يأتي آخرون فيقلّدون ما أنجزه ويزاحمونه في مجاله، لا لأنهم سلكوا طريقه نفسه أو بذلوا الجهد ذاته، بل لأنهم حصلوا بسهولة على فرص لم تُمنح لأصحاب الخبرة الحقيقيين.

ومع ذلك، فإنني لا ألوم هؤلاء الأشخاص وحدهم، بل ألوم بصورة أكبر من منحهم الصلاحية، وفتح لهم الأبواب، وسمح لهم بمزاحمة المبدعين وأصحاب الكفاءة من دون وجود معيار عادل يميّز بين المجتهد والمقلّد، وبين المتخصص والدخيل على التخصص.

التعلّم حق… لكن التصدّر مسؤولية

ليس عيبًا أن يتعلّم الإنسان مجالًا جديدًا، وليس خطأً أن يغيّر مهنته أو يكتشف موهبة مختلفة. فمن حق الفنان أن يتعلّم التجارة، ومن حق التاجر أن يدخل عالم الفن، كما يحق للحداد أن يتعلّم النجارة، وللنجار أن يتعلّم الحدادة.

لكن هذا الحق لا يعني أن يتصدر الإنسان مجالًا لا يعرفه، أو أن يحصل على فرص أكبر من فرص أهله قبل أن يتعلّم أصوله ويثبت كفاءته فيه. فمن أراد دخول مجال جديد، فعليه أن يجتهد ويصبر ويتعلّم ويحترم خبرات من سبقوه، ثم يشق طريقه بعمله وقدراته، لا بعلاقاته أو نفوذه.

المشكلة ليست في تعدد المواهب، بل في أن يدخل الإنسان مجالًا لا يتقنه، ثم يزاحم المتخصصين فيه ويحصل على مكانة لا تعكس قدرته الحقيقية. وعندما يحدث ذلك، تضيع قيمة الاجتهاد، ويصبح الوصول إلى الفرص مرتبطًا بمن نعرف، لا بما نعرف وما نستطيع تقديمه.

المال حين يذهب إلى غير مستحقيه

تظهر هذه المشكلة بوضوح في المجالات الفنية والإبداعية؛ إذ نجد أحيانًا أن المال والدعم والفرص تذهب إلى أشخاص لا يمتلكون الحس الفني، ولا يدركون معنى الفن أو حجم الجهد المبذول في إنتاجه، ومع ذلك يتصدرون المشهد ويحصلون على أفضل الأعمال.

وفي المقابل، يبقى الفنان الحقيقي وصاحب الموهبة والخبرة في الخلف، ينتظر فرصة قد تأتي وقد لا تأتي. وهنا لا يخسر الفنان وحده، بل يخسر المجتمع بأكمله؛ لأن النتيجة تكون أعمالًا ضعيفة، وهدرًا للمال، وإحباطًا للمواهب، وتراجعًا في مستوى الجودة والإبداع.

إن مشكلتنا ليست دائمًا في قلة المال، بل في طريقة توزيعه. فالمال حين يُمنح للمستحق يتحول إلى عمل ناجح وتنمية حقيقية، أما حين يُمنح لغير المؤهل، فإنه يتحول إلى هدر، وربما يصبح سببًا في إبعاد أصحاب الكفاءة عن مجالاتهم.

ولا يمكن للمال وحده أن يصنع فنانًا أو مبدعًا. قد يشتري المال الأدوات، ويفتح بعض الأبواب، ويوفر فرص الظهور، لكنه لا يشتري الموهبة ولا الحس الفني ولا الخبرة المتراكمة. فالإبداع الحقيقي ثمرة معرفة وتجربة وصبر وعمل طويل، وليس مجرد لقب يمنحه شخص أو تصنعه حملة إعلامية.

حين تصبح الواسطة أقوى من الموهبة

حين تتحول الواسطة إلى طريق مختصر للوصول، تفقد الكفاءة قيمتها. وعندما تُمنح المناصب والمشروعات والفرص وفق العلاقات، يشعر المجتهد بأن سنوات تعبه لا معنى لها، بينما يتعلم غير المؤهل أن النجاح لا يحتاج إلى علم أو خبرة، بل إلى شخص يفتح له الباب.

وهذه ثقافة خطيرة؛ لأنها لا تضر فردًا واحدًا، وإنما تؤثر في المجتمع كله. فعندما يوضع غير المناسب في مكان يستحقه غيره، تكون النتيجة قرارات ضعيفة، وأعمالًا رديئة، وأموالًا مهدرة، ومواهب مهمشة.

إن الإنصاف لا يعني أن نعطي الجميع النتائج نفسها، بل يعني أن نتيح لهم فرصًا عادلة، ثم يكون التفوق للأجدر والأكثر اجتهادًا وإتقانًا. فالعدل الحقيقي لا يساوي بين المجتهد والمهمل، ولا بين الخبير ومن لم يتعلّم بعد، لكنه يمنح كل إنسان فرصة عادلة لإثبات نفسه.

بين المنافسة العادلة والصراع غير المتكافئ

المنافسة العادلة أمر صحي ومطلوب؛ لأنها تدفع الجميع إلى التعلّم والتطور وتحسين أعمالهم. لكن المنافسة تفقد معناها عندما تكون بين صاحب خبرة وشخص حصل على فرصته بالواسطة، أو بين صاحب الفكرة الأصلية ومن اكتفى بتقليدها.

هذه ليست منافسة عادلة، بل صراع غير متكافئ يخسر فيه الجميع. يخسر المبدع حقه، ويخسر العمل جودته، ويخسر المجتمع ثقته بمعايير النجاح. وقد يصل الأمر إلى أن يفقد المجتهد رغبته في الاستمرار، حين يرى أن سنوات تعبه لا تساوي شيئًا أمام علاقة أو مصلحة أو قرار غير منصف.

ولا تعني حماية أصحاب الكفاءة إغلاق الأبواب أمام المواهب الجديدة، بل تعني أن يحصل كل إنسان على الفرصة التي تناسب مستواه، وأن يتدرج في مجاله حتى يثبت جدارته. فالموهبة الجديدة تستحق التشجيع، لكن التشجيع شيء، ووضعها في مرتبة أصحاب الخبرات قبل أن تنضج شيء آخر.

كما أن تقليد الآخرين قد يكون بداية للتعلّم، لكنه لا يمكن أن يكون أساسًا دائمًا للإبداع. فالمبدع الحقيقي يتأثر ويتعلّم ثم يصنع هويته الخاصة، أما المقلّد فيظل تابعًا لغيره مهما حظي بالظهور والانتشار.

من سرق مكان المبدعين؟

لم يسرق المقلّد مكان المبدع وحده، بل ساهم في ذلك كل من قدّم العلاقة على الكفاءة، والمصلحة على الجودة، والربح السريع على القيمة الحقيقية. وساهم فيه أيضًا كل مسؤول عرف الأجدر ثم اختار غيره، وكل جهة امتلكت القدرة على إنصاف الموهوبين لكنها فضّلت الأسماء القريبة أو الأكثر نفوذًا.

إن المسؤولية لا تقع على فرد واحد، بل على منظومة كاملة تسمح لغير المؤهل بأن يتصدر، ثم تتساءل لاحقًا عن أسباب ضعف الأعمال وغياب الإبداع.

فالفرص ليست مجرد مكافآت شخصية، بل مسؤوليات. ومن يمنح فرصة لغير مستحقها لا يظلم شخصًا واحدًا فقط، وإنما يحرم المجتمع من عمل كان يمكن أن يكون أفضل، ويهدر مالًا كان يمكن أن يصنع قيمة حقيقية، ويرسل رسالة محبطة لكل إنسان يحاول النجاح بجهده.

احترام التخصص حماية للجميع

إن احترام التخصص ليس تقليلًا من قيمة الآخرين، ولا دعوة إلى احتكار المجالات، بل هو حماية لجودة العمل وحقوق الناس. فمن لا يعرف مجالًا عليه أن يتعلّمه قبل أن يتصدره، ومن يريد ممارسة مهنة جديدة فعليه أن يحترم أصولها ويكتسب أدواتها.

لا يكفي أن نرغب في شيء حتى نصبح مؤهلين له، ولا يكفي أن نملك المال أو العلاقات حتى نصبح أصحاب خبرة. فالرغبة هي بداية الطريق، لكنها لا تغني عن التعلّم والتدريب والتجربة.

ومن حق الجميع أن يحلموا ويجرّبوا ويتعلموا، لكن ليس من العدل أن تتحول هذه الرغبات إلى فرص تُنتزع من أصحابها الحقيقيين. فالفرصة يجب أن تُمنح على أساس القدرة والاستحقاق، لا على أساس القرب والمجاملة.

ماذا نريد؟

علينا أن نتوقف لحظة ونسأل أنفسنا بصدق: ماذا نريد؟

هل نريد عملًا جيدًا، أم مجرد عمل يُنجز بأي صورة؟ هل نريد تنمية حقيقية، أم واجهة جميلة تخفي وراءها ضعفًا كبيرًا؟ هل نريد مكافأة المجتهد، أم منح الفرصة للأقرب والأكثر نفوذًا؟ وهل نبحث عن الجودة، أم أصبح هدفنا الوحيد هو المال؟

هل نريد أن نبني مجتمعًا يؤمن بالموهبة والعمل، أم مجتمعًا يتصدر فيه من يملك العلاقات؟ وهل نريد منافسة ترفع مستوى الجميع، أم صراعًا بين الأصل والتقليد ينتهي بخسارة الطرفين؟

إذا كنا نريد مستقبلًا أفضل، فعلينا أن نضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وأن نجعل الكفاءة أساس الاختيار، والاجتهاد طريق الوصول، والعدل ميزان توزيع الفرص.

كما يجب على من يملك القرار أن يبحث عن الأكفأ قبل الأقرب، وعلى من يحصل على الفرصة أن يكون أهلًا لها، وأن يدرك أنها مسؤولية وليست مجرد مكسب شخصي.

خاتمة  ..

إن منح الفرص لغير مستحقيها ليس ظلمًا لأصحاب الكفاءة وحدهم، بل ظلم للعمل والمجتمع والمستقبل. وعندما يتقدم المقلّد ويتراجع المبدع، وحين يُكافأ صاحب العلاقة ويُهمش صاحب الخبرة، فإن الجميع يدفع الثمن.

نحن لا نطالب بحرمان أحد من التعلّم أو النجاح، وإنما نطالب بأن يسير كل إنسان في طريقه بالعلم والاجتهاد والصبر، وأن يحصل على مكانته بما يقدمه من جودة وكفاءة، لا بما يملكه من علاقات.

فالفرصة حين تصل إلى مستحقها لا تصنع نجاح فرد واحد فحسب، بل ترفع مستوى المجتمع كله. أما حين تُمنح لغير مستحقها، فإنها تهدر المال، وتحبط المبدعين، وتفتح الباب أمام الرداءة.

وفي النهاية يبقى السؤال الذي ينبغي أن نجيب عنه بصدق ووضوح:

هل نريد مجتمعًا ينصف أصحاب الكفاءة، أم مجتمعًا يمنح الفرص لغير مستحقيها، ثم يتساءل عن أسباب تراجع الفن والإبداع؟ .

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights