أبوك وأمك ليسا مسؤولية أخيك وحده
محمد بن سعيد العلوي
ثمة أخطاء تمضي مع الأيام، وأخرى تبقى حسرتها في القلب طويلًا. ولعل من أشدها أن يقصّر الإنسان في حق والديه وهما على قيد الحياة، ثم يستيقظ على حقيقة تقصيره بعد أن يصبح الاعتذار مستحيلًا، والعودة إلى ما فات أمنية لا تتحقق.
في بعض الأسر، يتقدم الأب أو الأم في العمر، وتزداد حاجتهما إلى الرعاية والاهتمام، لكن المسؤولية تقع شيئًا فشيئًا على ابن واحد أو ابنة واحدة، بينما يتحول بقية الأبناء إلى متابعين من بعيد، وكأن وجود من يخدم الوالدين يعفي الآخرين من واجبهم.
وهنا ينبغي أن نقولها بوضوح: أبوك وأمك ليسا مسؤولية أخيك وحده.
قد تختلف ظروف الأبناء، وهذا أمر طبيعي. قد يكون أحدهم أقرب سكنًا، أو أكثر تفرغًا، أو أقدر على مرافقة الوالدين، لكن ذلك لا يسقط مسؤولية الآخرين. فمن لا يستطيع الحضور يستطيع السؤال والاتصال، ومن لا يستطيع الخدمة بنفسه يستطيع المساهمة بماله، ومن أبعدته المسافات يستطيع المتابعة والاهتمام والمشاركة في تدبير احتياجاتهما.
المؤلم حقًا أن يجد بعض الأبناء متسعًا من الوقت لخدمة صديق أو قريب أو زميل، ثم يشعر بثقل عندما يحتاج والده إلى مشوار، أو تطلب منه والدته قضاء حاجة بسيطة.
كيف يجد الإنسان الوقت للآخرين جميعًا، ثم تضيق ساعاته عندما يتعلق الأمر بأبيه وأمه؟
لقد جعل الإسلام بر الوالدين في منزلة عظيمة، فقال الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].
وحين ينهى القرآن الكريم عن كلمة «أف» في مخاطبة الوالدين، فإن ذلك يضع أمامنا ميزانًا دقيقًا في التعامل معهما، خصوصًا في مرحلة الكبر، حيث تزداد الحاجة إلى الصبر والرحمة والرفق والكلمة الطيبة.
وقال النبي ﷺ: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة». رواه مسلم.
إن الوالدين عند الكبر لا يحتاجان إلى المال وحده؛ يحتاجان إلى من يسأل عنهما، ويجلس معهما، ويسمع حديثهما، ويشعرهما بأن مكانتهما لم تتغير مع مرور السنوات.
قد يقول الأب: «لا أحتاج شيئًا» وهو في الحقيقة لا يريد أن يثقل على أبنائه. وقد تقول الأم: «أنا بخير» بينما تنتظر سؤالًا أو زيارة أو جلسة قصيرة.
فلا تنتظر منهما أن يطلبا منك البر.
والأهم ألا تجعل أخاك أو أختك يتحملان وحدهما مسؤولية كان ينبغي أن تتقاسمها الأسرة كلها. فالابن الذي يرافق والديه يوميًا، والابنة التي تتابع علاجهما واحتياجاتهما، ليسا بديلًا عن بقية الأبناء، ولا ينبغي أن يصبح إحسانهما مبررًا لتقصير الآخرين.
إن البر ليس جدول مناوبات فحسب، بل شعور بالمسؤولية ووفاء لا ينقطع.
ولعل الحقيقة التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلًا أن كثيرًا مما نراه اليوم التزامًا ثقيلًا قد يصبح غدًا أمنية مستحيلة.
قد يأتي يوم يتمنى فيه الإنسان أن يسمع صوت أمه مرة أخرى، ولو لتكرر عليه حديثًا سمعه عشرات المرات. وقد يتمنى مشوارًا واحدًا مع أبيه، أو فرصة ليجلس بجواره، أو يقضي له حاجة كان يتذمر منها يومًا.
لكن الزمن لا يعود.
لذلك، لا تنتظر حتى تفقد والديك لتعرف قيمتهما.
اجلس معهما ما استطعت. اسأل عنهما. استمع إلى حديثهما. اقض حاجتهما. واحتمل ما قد يصعب عليك من متطلبات الكبر، كما احتملا منك الكثير في طفولتك.
لقد سهرا عندما نمت، وحملاك عندما عجزت عن حمل نفسك، وخافا عليك عندما لم تكن تعرف معنى الخوف.
فكيف يصبح طلبهما منك اليوم ثقيلًا؟
قبل أن ننظر إلى تقصير إخوتنا، لنسأل أنفسنا أولًا: عندما يحتاجني أبي أو أمي، هل يجدانني؟
فالفرص لا تبقى إلى الأبد، والوقت الذي نستطيع فيه أن نبر والدينا اليوم قد يصبح غدًا ذكرى نتمنى استعادتها.
أبوك وأمك ليسا مسؤولية أخيك وحده؛ إنهما مسؤولية الأبناء جميعًا، كل بحسب استطاعته. وبرهما ليس عبئًا يُنقل من شخص إلى آخر، وإنما نعمة وباب عظيم من أبواب الأجر.
فمن كان والداه بين يديه اليوم، فليعرف قدر هذه النعمة قبل أن تتحول لحظاتها إلى ذكريات، وخدمتهما إلى أمنية، والفرصة إلى حسرة لا ينفع معها الندم.



